استضاف مركز عبدالرحمن كانو الثقافي الندوة الثالثة ضمن سلسلة الندوات التي يقيمها وفاءً لإرث الشاعر والباحث الراحل علي عبدالله خليفة، وجاءت بعنوان «حين تتحول الفكرة إلى مؤسسة.. علي عبدالله خليفة أنموذجًا»، بمشاركة الأستاذ عبدالله صالح، والدكتور راشد نجم، والدكتورة معصومة المطاوعة، فيما أدار الحوار الدكتور فهد حسين. وسلطت الندوة الضوء على جانب من تجربة الراحل وإسهاماته في تأسيس وتطوير عدد من المؤسسات الثقافية والتراثية في البحرين والخليج، وامتداد حضوره في العمل الثقافي المؤسسي إلى المستوى الدولي.

واستهل الأستاذ عبدالله صالح الحديث باستعراض تجربة علي عبدالله خليفة في تأسيس مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية في قطر، وهي تجربة شكلت محطة مهمة في مسيرته في مجال العمل الثقافي المؤسسي. فخلال عمل خليفة في قطر أسس، بالتعاون مع الروائي الطيب صالح وبدعم من الدكتور عيسى غانم الكواري، قسم الدراسات والبحوث التابع لإدارة الثقافة والفنون، وتولى رئاسته بين عامي 1978 و1980، ومن خلال عمله البحثي برزت لديه فكرة توحيد الجهود الخليجية في جمع التراث الشعبي وتدوينه وحفظه ودراسته ضمن مؤسسة علمية متخصصة.

وتبلورت الفكرة في مشروع خليجي مشترك، إذ تولى علي عبدالله خليفة إعداد وثائق تأسيس مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية والإشراف على تأسيسه، قبل أن يتولى إدارة المركز في الدوحة لمدة خمس سنوات، من عام 1982 حتى عام 1987. وقد شكل المركز آنذاك إطارًا للعمل المشترك بين دول المنطقة في مجال جمع التراث الشعبي وتوثيقه ودراسته، ونقل الجهود في هذا المجال من المبادرات المتفرقة إلى العمل المؤسسي المنظم.

وانتقل الدكتور راشد نجم إلى الحديث عن تجربة علي عبدالله خليفة في تأسيس المؤسسات الثقافية البحرينية، وفي مقدمتها أسرة الأدباء والكتاب، التي تأسست في 29 سبتمبر 1969 بمبادرة مجموعة من الأدباء والمثقفين البحرينيين، وكان علي عبدالله خليفة وراشد نجم من بين أعضاء هيئتها التأسيسية. ولم تقتصر مساهمة خليفة على التأسيس، إذ تولى أمانة سر أول هيئة إدارية للأسرة، ثم تولى رئاستها في مرحلة لاحقة، كما كان حاضرًا في نشاطها الثقافي منذ بداياته، ليصبح العمل في الأسرة واحدًا من أوائل تجاربه في تحويل النشاط الأدبي إلى عمل ثقافي جماعي منظم.

وتناول نجم كذلك تأسيس جمعية البحرين للموسيقى والفنون الشعبية عام 1975، التي ضمت في مجلس إدارتها الأول عددًا من رواد الحركة الفنية والثقافية، من بينهم علي عبدالله خليفة وراشد نجم وأحمد الجميري. وأسهمت الجمعية في جمع الموسيقيين والفنانين والمهتمين بالفنون الشعبية تحت مظلة مؤسسية، وفي خدمة الموروث الموسيقي والغنائي البحريني والتواصل مع الفرق والدور الشعبية وتنظيم الأنشطة الفنية.

وتوقف نجم عند تجربة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، التي ارتبط بها علي عبدالله خليفة منذ انطلاقتها. فقد بدأت الفكرة من لقاءات ثقافية دورية جمعت عددًا من المثقفين البحرينيين، قبل أن تتطور إلى مشروع ثقافي أهلي حظي بدعم الوجيه الراحل عبدالرحمن بن جاسم كانو، لتبدأ من ديوانية بو راشد في النادي الأهلي، ثم يؤسس المركز عام 1995 باسم الملتقى الثقافي الأهلي، وينتقل إلى منطقة حيث جرى تهيئة عدد من المخازن وتحويلها إلى قاعة تحتضن الندوات والمحاضرات واللقاءات الثقافية، لتتبلور من خلالها تجربة المركز ويتسع نشاطه وحضوره حتى تم إشهاره رسميًا عام 2001.

وأوضح نجم أن علي عبدالله خليفة واصل العمل على تطوير المركز ونقله إلى مرحلة أكثر استقرارًا، وبذل جهودًا للحصول على أرض خاصة به وإقامة مقر دائم يواكب اتساع نشاطه الثقافي، وصولًا إلى تشييد المبنى الحالي للمركز بدعم عائلة كانو. وارتبط خليفة بهذه المسيرة على مدى ثلاثة عقود، تولى خلالها رئاسة مجلس الإدارة وأسهم في بناء مشروع ثقافي انتقل من لقاءات المثقفين في مقار مؤقتة إلى مؤسسة تمتلك مقرها وبرنامجها الثقافي المستمر.

وتناولت الدكتورة معصومة المطاوعة امتداد تجربة علي عبدالله خليفة إلى المجال الدولي من خلال المنظمة الدولية للفن الشعبي «IOV»، حيث شارك منذ عام 1979 في مراحل تأسيس المنظمة في النمسا، وكُلّف بتأسيس فرع لها في البحرين، لتتطور علاقته بها على مدى العقود التالية من العمل في مجال التراث والثقافة الشعبية. وتولى خليفة لاحقًا مواقع قيادية في المنظمة، فانتخب أمينًا عامًا مساعدًا لإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم نائبًا للرئيس، وصولًا إلى انتخابه رئيسًا للمنظمة عام 2016، وانتقال المقر الرئاسي للمنظمة إلى البحرين.

وتطرقت المطاوعة إلى الدور الجديد لمركز عبدالرحمن كانو الثقافي بعد رحيل علي عبدالله خليفة، مؤكدة استمرار رسالته الثقافية مع تطوير أدوات العمل بما يواكب التحولات الراهنة، ولاسيما من خلال توسيع مشاركة الشباب في صناعة الفعاليات الثقافية، وتعزيز التوثيق والنشر، وتطوير الحضور الرقمي، والعمل على مشروعات ثقافية مستدامة تحفظ ما راكمه المركز خلال العقود الثلاثة الماضية وتفتح المجال أمام شراكات جديدة للمشاركة في مسيرته، مشيرة إلى دعم عائلة كانو الكريمة لهذه الاستمرارية.

وأظهرت الندوة أن تجربة علي عبدالله خليفة في العمل الثقافي لم تقتصر على إنتاجه الشعري والأدبي والبحثي، وإنما امتدت إلى تأسيس وبناء مؤسسات استمرت بعد انطلاقها وأصبحت جزءًا من المشهد الثقافي البحريني والخليجي والدولي، في تجربة جسدت عمليًا انتقال الفكرة الثقافية من المبادرة الفردية إلى المؤسسة.