محمد عدوان

في بعض مجالسنا، لا تحتاج إلى أكثر من جملة واحدة حتى تعرف أن النقاش انتهى. قل رأياً لا يعجب الموجودين، وستجد السؤال يتحول من «شنو رايك؟» إلى «إنت شلون تفكر؟». ومن هنا تبدأ الحكاية: لا أحد يعود يناقش الفكرة نفسها، بل يبدأ البحث عن صاحبها، وعن مواقفه السابقة، ومن يتابع، ومن يشبهه.

وهذه ليست مشكلة مجالس فقط. افتح مجموعة واتساب، اكتب رأيًا مختلفًا، وانتظر قليلًا. قد تجد أن النقاش لم يعد حول الموضوع، بل حولك أنت. وعلى وسائل التواصل، يكفي أحياناً أن تقول شيئاً لا يتفق مع مزاج المجموعة حتى تجد نفسك أمام سلسلة من التعليقات والتصنيفات، وكأن الإنسان يمكن اختصاره في رأي واحد.

المشكلة أننا أصبحنا أسرع في تصنيف بعضنا من محاولة فهم بعضنا.

قد نختلف حول تربية الأبناء، أو أسلوب الحياة، أو قضية اجتماعية، أو حتى موضوع عابر. وهذا طبيعي. غير الطبيعي أن يتحول الاختلاف إلى حكم: هذا متشدد، ذاك متساهل، هذا يفهم، وذاك لا يفهم. وبعد أن نضع الشخص في خانة معينة، يصبح كل ما يقوله لاحقاً محسوباً عليه مسبقاً.

حتى وسائل التواصل ساعدتنا في ذلك من دون أن نشعر. صرنا نختار ما نقرأ، ومن نتابع، وما نشارك، ونبقى في الغالب بين أشخاص يتحدثون اللغة نفسها ويفكرون بالطريقة نفسها. وعندما يظهر رأي مختلف، لا نراه دائمًا فرصة لفهم زاوية أخرى، بل نراه إزعاجًا يجب الرد عليه.

وهنا يبدأ التعصب الفكري بصورته اليومية، التي لا تأتي بالضرورة في شكل أفكار متطرفة أو مواقف صاخبة. قد تكون مجرد عدم استعداد لسماع جملة لا تعجبنا. وقد تكون في إصرارنا على أن الشخص الذي أمامنا مخطئ لأنه لم يصل إلى النتيجة التي وصلنا إليها.

المفارقة أن المجتمع البحريني، بحجمه الصغير وعلاقاته المتداخلة، يفترض أن يجعلنا أكثر قدرة على الاختلاف. نحن نلتقي في المجالس والمناسبات والعمل، وبيننا قرابة وصداقة وجيرة. ومن الصعب أن يعيش الإنسان منفصلًا تماماً عن من يختلف معه. لذلك، عندما نحول كل نقاش إلى معركة، فإننا لا نكسب رأياً جديداً، بل نخسر مساحة جديدة من العلاقة.

ليس المطلوب أن نتفق مع كل شيء. ولا أن نبتلع قناعاتنا حتى لا نزعج أحدًا. الاختلاف حق، والنقد حق، وحتى رفض الفكرة حق. لكن من حق الفكرة أن تُناقش قبل أن يُحكم على صاحبها.

ربما نحتاج فقط إلى أن نتوقف لحظة قبل أن نسأل: «إنت شلون تفكر؟»، ونسأل بدلًا منها ليش «تشوف الموضوع بهالطريقة ؟».

الفرق بين السؤالين بسيط، لكنه قد يكون الفرق بين نقاش نخرج منه بفهم أكبر، ونقاش نخرج منه بخصم جديد.

«من خالفنا.. خالفناه»، وربما المشكلة ليست في أن نختلف، بل في أننا لم نعد نعرف كيف نختلف.