د. مها الدخيل

المواقف السياسية ليست مجرد حسابات للمصالح، وليست كل القرارات الدبلوماسية أوراقاً توضع على طاولات التفاوض ثم تُطوى بانتهاء الاجتماع. هناك مواقف تحمل في تفاصيلها تاريخاً من القيم، وتكشف في لحظة واحدة معدن الدول وصدق العلاقات بين الأشقاء.

وهكذا قرأ كثيرون موقف مملكة البحرين الأخير من الاجتماع المقترح بشأن مضيق هرمز وإيران.

فحين أعلنت البحرين أنها لن تكون طرفًا في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، لم يكن اللافت قرار عدم المشاركة وحده، بل المبادئ التي استند إليها الموقف، إذ ربطت المملكة أمنها بأمن أشقائها، وأكدت أن أي ترتيبات تتعلق بمضيق هرمز ينبغي أن تشمل جميع دول مجلس التعاون الخليجي، لارتباط هذا الممر الاستراتيجي بأمن المنطقة ومصالح دولها.

ولأن المواقف المهمة تنتقل سريعاً من البيانات الرسمية إلى الناس، فقد لفت انتباهي خلال الأيام الماضية ما صاحب القرار البحريني من تفاعل خليجي، فكنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي وأتابع ما يكتبه المواطنون الخليجيون حول التطورات الأخيرة على منصات «إكس» و«انستغرام» و«تيك توك»، فتوقفت طويلًا أمام ردود فعل لمواطنين من دول مجلس التعاون الخليجي وهم يتناولون موقف البحرين. لم يكن ما قرأته مجرد تأييد لقرار دبلوماسي، بل مشاعر واضحة من الفخر والاعتزاز والتقدير، وكأن الرسالة التي وصلت إليهم تقول إن «أمن الأشقاء ومصالحهم حاضران في حسابات البحرين وقراراتها».

قرأت الكثير من عبارات التقدير لموقف مملكة البحرين، وتعليقات تشيد بثبات موقفها، وأخرى تحمل معاني أخوية أكبر من الحدث نفسه. وأكثر ما لفتني أن المواطن الخليجي لم يتعامل مع الأمر باعتباره شأناً بحرينياً منفصلًا، بل وجد فيه ما يعنيه أيضاً، فالبحرين لم تنظر إلى قضية مضيق هرمز من زاوية مصلحتها وحدها، وإنما جعلت المصلحة الخليجية المشتركة جزءاً واضحاً من موقفها.

وهذا النهج ليس جديداً على مملكة البحرين في عهد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي رسخ في سياسة المملكة مفهوم الأخوة الخليجية القائمة على المحبة والمودة والوفاء ووحدة المصير، لا على المصالح السياسية وحدها.

فما يجمع دول مجلس التعاون الخليجي ليس الجغرافيا وحدها، بل روابط القرابة والنسب والعائلات المشتركة، إلى جانب تاريخ وذاكرة اجتماعية وإنسانية ممتدة. ولهذا فإن كلمة «الأشقاء» في الخطاب البحريني ليست وصفاً دبلوماسياً، بل حقيقة يعرفها أهل الخليج ويعيشون تفاصيلها.

ولعل هذا العمق الأخوي هو ما منح التفاعل الخليجي معناه الجميل، فقد حملت كلمات مواطنين خليجيين اعتزازًا واضحًا بموقف البحرين، وعبروا عن تقديرهم لما رأوه موقفًا يجسد صدق التلاحم بين الأشقاء.

أما سياسياً وقانونياً، فقد أكدت المملكة أن أي ترتيبات للملاحة في مضيق هرمز يجب أن تستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وأن تكفل حق المرور العابر لجميع السفن من دون تمييز أو رسوم أو تصاريح، وأن تشارك فيها دول مجلس التعاون كافة. وبذلك تجاوز الأمر مسألة المشاركة في اجتماع إلى مبدأ يتعلق بأمن ممر دولي ترتبط به مصالح المنطقة. وفي الوقت نفسه حافظت البحرين على تقديرها لسلطنة عُمان الشقيقة ومساعيها، وأكدت التزامها بالحوار وسيلة لتسوية الخلافات. وهذا يعكس دبلوماسية متزنة، تتمسك بالموقف من دون الإساءة إلى شقيق، وتحافظ على الحقوق من دون التخلي عن لغة الحوار.

وكان لافتًا أيضاً أن البحرين، في حديثها عن الاعتداءات والأخطار، لم تقصر الأمر على ما تعرضت له المملكة، بل امتد موقفها ليشمل ما تعرضت له المملكة العربية السعودية وأشقاؤها في دول الخليج العربي، بما يؤكد أن أمن الأشقاء وسلامتهم جزء ثابت من الرؤية البحرينية تجاه أمن المنطقة.

ولا يعني ذلك أن تتطابق سياسات الدول الخليجية في كل قضية، فالاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي بين الدول. لكن الأخوة تعني أن يبقى الاحترام قائماً، وألا تمس الاختلافات المودة أو المصير المشترك.

وهذا ما كان ظاهراً في الموقف البحريني: (وضوح في القرار، وتمسك بالمبدأ، وحرص على الأشقاء، واحترام لعُمان الشقيقة، وإيمان بأن أمن الخليج مسؤولية أبنائه جميعاً).

فمن الجميل أن يفتخر الإنسان بوطنه، لكن هناك شعوراً مختلفاً حين ترى أشقاءك يفتخرون بموقف وطنك وكأنه موقف بلدهم. عندها تدرك أن الأخوة الخليجية ليست كلمات للمناسبات، وإنما شعور حقيقي يسكن وجدان الناس.

وقد تتغير الظروف والمواقف السياسية، لكن ما يبقى هو هذا الرصيد الإنساني الذي حرص جلالة الملك المعظم على صونه، ويواصل سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء تعزيزه،؛ إيمانًا بأن الخير الذي نريده للبحرين نريده لأشقائنا الخليجيين أيضاً، وأن الضرر الذي نرفضه لبلادنا لا نرضاه لأي دولة خليجية أو عربية أو مسلمة.

وفي الختام، أشعر باعتزاز كبير وأنا أرى هذا التقدير الخليجي لموقف بلادي، وأقرأ في كلمات الأشقاء مشاعر الفخر والمحبة تجاه البحرين. فتلك المشاعر هي أجمل ما يمكن أن تحصده المواقف الصادقة، فهي تؤكد أن الوفاء يبقى حاضرًا في الذاكرة، وأن البحرين حين تحمل أشقاءها في قلبها، تجد مكانها محفوظاً في قلوبهم.