نعرف عبر هواتفنا أين وصلت وجبتنا، وكم بقي على وصولها إلى باب المنزل.. لكن هل نعرف باليقين نفسه أن طفلنا وصل إلى روضته؟! سؤال يصبح ضرورياً بعد أن خرجت طفلة في الرابعة من عمرها متجهة إلى روضتها، لكنها لم تصل إلى فصلها، وبقيت لساعات داخل حافلة مغلقة إلى أن عُثر عليها مصابة بالإجهاد الحراري، ونُقلت إلى المستشفى.
الحمد لله أن الحادثة لم تنتهِ بفاجعة، لكن ماذا سنفعل حتى لا تتكرر؟ التحقيق سيحدد المسؤوليات، والمخطئ يتحمل مسؤولية خطئه، لكن القضية أكبر من البحث عن شخص نحمّله اللوم، فالمشكلة أن حياة طفل صغير قد تعتمد، في لحظة حاسمة، على ذاكرة إنسان، والإنسان يخطئ وينسى.
لماذا لا يكون لدينا في البحرين نظام وطني موحد لسلامة الأطفال في النقل المدرسي، يبدأ منذ صعود الطفل إلى الحافلة، ولا تنتهي متابعته إلا بوصوله إلى المدرسة أو الروضة بأمان؟ التقنية موجودة، سواء عبر التعرف على راحة اليد أو البطاقة الذكية أو أي وسيلة إلكترونية آمنة، فالمهم أن نحقق مبدأ: لا طفل بلا أثر. يُسجل صعود الطفل ووصوله، ويُخطر ولي الأمر، والأهم من (إشعار الوصول) هو (إنذار عدم الوصول)، فإذا صعد طفل، ولم يسجل نزوله في الوقت المفترض، ينطلق التنبيه خلال دقائق إلى السائق والمشرف والمدرسة وولي الأمر والجهة المسؤولة. عندها لن نسأل بعد ساعات: (أين الطفل؟)، بل بعد دقائق: (لماذا لم يصل؟).
وهذه ليست أفكاراً نظرية. ففي دولة قطر يعمل نظام (حضوري) بالتعرف على راحة اليد لتسجيل صعود طالب الحافلة ونزوله، وفي أبوظبي يتيح تطبيق (سلامة) لولي الأمر متابعة رحلة الحافلة وصعود الطالب ونزوله. وخارج الخليج، ألزمت اليابان الحافلات المعنية بنقل أطفال رياض الأطفال ومؤسسات الطفولة بأجهزة أمان تساعد على منع تركهم داخلها، وتلزم كوريا الجنوبية السائق بالتأكد من نزول جميع الأطفال واستخدام جهاز مخصص لذلك، بينما تشترط سنغافورة وجود مرافق مؤهل في الحافلات التي تنقل أطفال رياض الأطفال ومراكز رعاية الأطفال. فلماذا لا نأخذ أفضل ما في هذه التجارب، ونطبق نموذجاً بحرينياً متكاملاً؟
نحتاج إلى سلسلة حماية تشمل التسجيل الإلكتروني للصعود والنزول، والإنذار الفوري عند عدم الوصول، وجهازاً يجبر السائق بعد انتهاء الرحلة على الوصول إلى آخر الحافلة والتأكد من خلوها، وكاميرات داخلية ومشرفاً مؤهلاً لحافلات أطفال الروضات. ويجب أن تكون الاشتراطات إلزامية على كل من يمارس نقل الأطفال، سواء كان تابعاً للمؤسسة التعليمية أو جهة نقل خاصة، فحين يتعلق الأمر بحياة طفل، لا ينبغي أن تكون السلامة اجتهاداً، بل اشتراطاً لا تتحرك حافلة أطفال من دونه.
وبصراحة، لا يحتاج ولي الأمر إلى تطبيق معقد، يريد فقط أن يطمئن: (صعد الحافلة).. (وصل المدرسة).. (غادر المدرسة).. (تم تسليمه). لن نلغي الخطأ البشري، لكننا نستطيع منع خطأ شخص واحد من أن يصبح مأساة لعائلة بأكملها. الأطفال ينامون ويخافون، وقد لا تعرف طفلة في الرابعة كيف تنقذ نفسها من حافلة مغلقة، لكن ماذا عنّا نحن الكبار؟ مع كل ما توفر من تقنية وتجارب، لا يجوز أن تبقى حياة طفل معلقة بذاكرة سائق أو مشرف. فالطفل يمكن أن يُنسى مرة داخل حافلة، لكن لا يجوز أن ننساه نحن مرة أخرى بعد انتهاء الخبر.