بقلم: د. هشام حسين راشد الرميثي

ما أشبه الأمس باليوم؛ فمن الأمس أصحاب الفيل الذين قدموا من اليمن الذين أرادوا هدم بيت الله الحرام في تحدٍّ صارخ لحرمة بيت الله جل وعلا، وقد صوّرها القرآن الكريم في سورة الفيل، ذكرى وعبرة لمن يعتبر، وكيف أن الله جل وعلا أخزاهم وأوقع بهم شر هزيمة، هو اليوم يأتي الحوثيون، قبحهم الله، فلم يجدوا مكاناً يضربون به بالصواريخ إلا أعظم بقاع الأرض على الإطلاق، بيت الله الحرام ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تلك المحاولات الفاشلة قابلتها غضبة عارمة وإدانات واسعة من مختلف دول ومنظمات العالم الإسلامي، كون الحرمين الشريفين يمثلان عقيدة الأمة الإسلامية بأسرها، بمليار وثمانمائة مليون مسلم، وخطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف، فضلاً عن أنه يخالف كافة القيم الإنسانية والقوانين الدولية. وفتحت على الحوثيين أبواب الجحيم، وألحق بهم شر هزيمة، تعظيماً لعظم الزمان والمكان وحرمة الإنسان؛ فالله جل وعلا يقول: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). بل جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضل المدينة: «لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء»، ولم يكتفِ الحوثيون بما فعلوه في اليمن من أنواع الفساد وتمزيق هوية اليمن الشقيق، بل سعوا خلال وجودهم إلى دمار وعثٍ واسع بالتراث الحضاري والتاريخي، وسرقة آلاف القطع الأثرية والمخطوطات النادرة، وطمس المعالم التاريخية في مناطق سيطرتهم، ناهيك عن الانتهاكات التي مارستها جماعة الحوثي، والتي أوجدت كوارث إنسانية وأمنية واسعة النطاق، تجلت في الفوضى واستهداف الآمنين والمدنيين وتدمير البنية التحتية للبلاد، كما يتوقع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي استمرار معاناة الاقتصاد اليمني، مع توقع انكماش إضافي يتراوح بين 0.5 و1.5% خلال عام 2026 ليكون هذا العام الخامس على التوالي الذي يسجل فيه الناتج المحلي الإجمالي معدلاً سلبياً أو ضعيفاً في ظل استمرار الحرب والأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

إن اليمنيين في دول الخليج العربي، والسعودية على وجه الخصوص، ينتظر أهاليهم في اليمن بفارغ الصبر ما يرسله أبناؤهم وإخوانهم وأقاربهم من تحويلات مالية، والتي تمثل لهم مصدر رزق كريم، وتعينهم على مواجهة ظروفهم الصعبة التي تسببت فيها حرب الحوثيين وما خلفته من أوضاع إنسانية واقتصادية قاسية.

فهذه التحويلات تأتي من أبناء اليمن الذين وجدوا في دول الخليج العربي والسعودية الأمن والعمل والاستقرار، فأصبحوا يرسلون ما يكسبونه إلى أهاليهم في اليمن، يسندونهم ويقفون إلى جانبهم في محنتهم وليس ذلك من إيران، تلك الدولة التي لم تقدم لليمن وشعبه إلا الشر والدمار، وما تقدمه من دعم للحوثيين لا يساوي قيمة جناح بعوضة أمام ما تقدمه دول الخليج العربي والسعودية لأبناء اليمن من احتضان ورعاية لأبناء اليمن قولاً وفعلاً، فالسعودية لم تكن يوماً معتدية على أحد، ولم تمد يدها بالعدوان إلى أحد، وإنما كانت ولاتزال حريصة على أمنها وأمن أشقائها واستقرار المنطقة، وفتحت أبوابها لكل من قصدها طالبًا للأمن والرزق، ومدّت يد العون والمساعدة إلى أشقائها وأصدقائها في مختلف الظروف.

السعودية يقف العالم بأسره معها، كونها صاحبة الحق، لما لها من مكانة رفيعة دينياً وسياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، وكونها يداً ممتدة بالعطاء، وواحدة من أكبر الدول المانحة للمساعدات الإنسانية والتنموية في العالم. ولا تجد دولة منكوبة إلا ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تمتد إليها قوافل العطاء.

السعودية فيها أعظم بقاع الأرض، وفيها خرجت أعظم رسالة في تاريخ البشرية، خاتم الأنبياء والمرسلين، وفيها دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام الباقية بقوله: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) لقد حفظ التاريخ فضل قريش، وبالأخص فضل بني هاشم، كونهم أهل السقاية والرفادة لكل من يطرق بيت الله وحفظ الله لهم مكانتهم، فأرسل نبياً من بني هاشم تكريماً لهم، فكل من يعمر بيت الله الحرام فله فضل عظيم، ويبارك الله له في ماله ورزقه، وها هي اليوم السعودية أمام مرأى ومسمع من العالم بأسره تبذل جهودًا تاريخية واستثنائية في خدمة الحرمين الشريفين، في شهادة القاصي والداني، إذ وضعت هذه الخدمة الجليلة والعظيمة في مقدمة أولوياتها، ولهذا نال ملوكها شرف لقب خادم الحرمين الشريفين.

تلك هي السعودية، فاعرفوا قدرها، واعرفوا مكانتها، فالقلوب تميل إلى بلاد الحرمين، إن الوقوف مع السعودية في هذه الظروف ليس وقوفاً مع دولة فحسب، وإنما هو وقوف مع أمن الحرمين الشريفين، ومع بلدٍ حمل على عاتقه مسؤولية عظيمة في خدمة ضيوف الرحمن، وفتح أبوابه للمسلمين من مشارق الأرض ومغاربها. وهي كذلك وقفة مع الشعب اليمني الذي عانى طويلاً من ويلات الحرب، ومع حقه في أن يعيش آمنًا كريمًا بعيدًا عن الصراعات والتدخلات. فالسعودية لم تكن يوماً بلداً يغلق أبوابه أمام محتاج، ولا يدها عن ملهوف، بل ظلت قريبة من أشقائها، تمد يد العون وتفتح أبواب العمل والرزق، وتقدم المساعدات والإغاثة، ولذلك فإن من يعرف تاريخها ومواقفها يدرك أن الإساءة إليها واستهداف أمنها لا يمكن أن يُنظر إليه بمعزل عن مكانتها ودورها في المنطقة والعالم الإسلامي.

الحوثي ومن يقف معهم ومن يمدون لهم يد العون، وإن العاقبة عليهم، وإن السعودية لمنصورة، سيأتيها مدد من السماء من الله جل وعلا، ومدد من أفئدة المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها وسيلقى الحوثيون شر هزيمة، وسينتصر اليمن وتعود خضراء كما كانت، وترجع إليها مكانتها، حفظ الله بلاد الحرمين، وحفظ السعودية وشعبها وحكامها، وجعلهم للأمة سنداً وذخراً، وسيفاً مسلطاً على أعدائها من كيد الكائدين والحاقدين، وحفظ الله دول خليجنا وحكامنا وشعوبنا وجنودنا البواسل، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وحفظ الله اليمن وشعبه، وردّ إليه أمنه واستقراره، وحفظ الله الحرمين الشريفين من كل سوء ومكروه، والحمد لله رب العالمين.