حنان الخلفان

في هذه الأيام، يكفي أن تتجول في البحرين حتى تعرف أن للسعودية عيداً، الأخضر في الشوارع والمجمعات، والعلم السعودي حاضر، والأغاني والتهاني في كل مكان، والعائلات القادمة عبر الجسر تجد احتفالها بانتظارها. اعتدنا هذا المشهد حتى أصبح طبيعياً، فالبحرين تحتفل باليوم الوطني السعودي، وكثير منا يصف السعودية بأنها وطنه الثاني. لكن وسط كل هذا الأخضر خطر لي سؤال في الاتجاه الآخر: إذا كانت السعودية وطناً ثانياً للبحريني، فماذا تكون البحرين للسعودي؟ وربما لا نجد الإجابة في هذا الأسبوع وحده، فالسعودي لا نراه هنا عندما تكون الفرحة سعودية فقط، بل حين تكون بحرينية أيضاً، في عيدنا الوطني، وليالي المحرق، ومهرجاناتنا وأسواقنا، وحتى في نهاية أسبوع عادية لا مناسبة فيها.

ولعل اللافت في حضور السعودي في البحرين تلك الألفة التي يدخل بها المكان، يعرف طرقه، وله فيه أماكن يحبها ويعود إليها، حتى باتت البحرين حاضرة في تفاصيل أكثر خصوصية من حياته. وأنا أكتب هذه السطور تذكرت زميلة دراسة سعودية، حين جاء موعد زواجها اشترطت أن تكون شبكة زواجها من الذهب البحريني، وأن يقام حفل زفافها في البحرين. ربما أفهم معنى ذلك اليوم أكثر من وقتها، فالإنسان قد يختار أي مدينة لعطلة، لكنه حين يختارها لتكون حاضرة في واحدة من أهم لحظات حياته، تصبح علاقته بها مختلفة. ولعل جسر الملك فهد يعرف آلاف الحكايات الصغيرة من هذا النوع، فمنذ عقود وهو يشاهد الوجوه نفسها تكبر: شاب سعودي عبره يوماً مع أصدقائه، ثم عاد عبره زوجاً، وربما يعبره اليوم وأطفاله في المقاعد الخلفية، وفي الاتجاه الآخر طفل بحريني كان ينتظر رحلة العائلة إلى الخبر أو الدمام، أصبح اليوم أباً يقود أبناءه على الطريق ذاته. على هذا الجسر لم تعبر السيارات وحدها، عبرت أعمار كاملة.

وفي ليالي المحرق تظهر صورة أخرى لهذا القرب، فالعائلة السعودية التي تمشي بين البيوت والفرجان والأسواق القديمة لا تأتي لتبحث عن نسخة من بلادها، بل لتستمتع بمكان بحريني جداً، بتفاصيله وذاكرته وروحه. وهذا بالنسبة لي أجمل أشكال القرب، أن تحب في المكان الآخر ما يميزه، لا ما يشبهك فيه فقط. وربما أجمل ما في الحكاية ليس أن البحرين تعرف كيف تفرح للسعودية، بل أن السعودي يعرف كيف يفرح بالبحرين. وهذه الألفة ليست وليدة اليوم، فمن المنامة التي تزينت قبل عقود لاستقبال الملك عبدالعزيز، إلى البحرين التي تتزين اليوم احتفاءً باليوم الوطني السعودي، تغيرت وسائل الوصول وبقي شيء من الاستقبال كما هو. وحين قال صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية عن البحرين إنها «الأقرب إلى قلوبنا»، ربما لم تكن العبارة بحاجة إلى كثير من الشرح، يكفي مساء خميس على الجسر، أو ليلة في المحرق، أو حتى حكاية زميلتي السعودية، لفهم شيء من معناها. فهناك مسافات تختصرها الجسور، وهناك مسافات أخرى لا يختصرها إلا الناس.

وبصراحة.. وبعد أيام ستنتهي احتفالات اليوم الوطني السعودي، ستُرفع الأعلام الخضراء، وتنطفئ الإضاءات، وتعبر العائلات الجسر عائدة إلى بيوتها. لكنها لن تنتظر سبتمبر المقبل كي نراها هنا، ستعود في ديسمبر لتشاركنا فرحتنا، وفي ليالي المحرق، وفي مهرجان أو فرح، وربما مساء خميس عادي لا مناسبة فيه ولا أعلام. ولعل في ذلك إجابة السؤال الذي بدأنا به: ماذا تكون البحرين للسعودي؟ ربما لا نحتاج إلى اسم لهذه العلاقة، يكفي أن البحرين بالنسبة إلى كثيرين منهم مكان يعرفونه ويألفونه، ويعودون إليه مرة بعد أخرى، ويتركون فيه شيئاً من حكاياتهم. فالأماكن الأقرب إلى القلب ليست تلك التي نزورها في مناسباتها، بل تلك التي نشتاق إليها بلا مناسبة.