هل سألنا أنفسنا يوماً: هل نحن متعصبون؟
الأرجح أن الجواب الفوري سيكون «لا». فالمتعصب في أذهاننا هو الآخر، صاحب الصوت العالي والحكم القاطع. لكن التعصب لا يعلن عن نفسه دائماً. قد يختبئ في عبارة عابرة نقولها ضاحكين، وفي تعميم نظنه بديهياً، وفي رأي لا نقبل أن يُناقش.
وربما كان السؤال أصدق حين نطرحه على كلماتنا لا على نياتنا.
تكتب امرأة في مجموعة العائلة على واتساب: «هؤلاء دائماً هكذا». لا تذكر أحداً بالاسم، ولا تقصد أذى. لكن الرسالة تنال ثلاثة إعجابات في دقيقة، ثم يكتب قريب لها: «صدقتِ، لا يمكن الوثوق بهم». وفي ساعة واحدة يكون النقاش قد انتهى، وحلّ محله اتفاق ضمني على أن «هم» لا يستحقون الاستماع.
هكذا يُبنى الجدار: لبنة من كلمة، ولبنة من تكرار، ثم يصبح المشهد كله سوراً لا يعرف أحد من وضع حجره الأول.
في كتابها «لغة التعصب»، ترى الكاتبة الأمريكية أماندا مونتيل أن التعصب يبدأ من المعجم قبل الفكرة. فالجماعات المغلقة تصنع مصطلحاتها الخاصة، وتستعمل عبارات جاهزة تُنهي التفكير، وتقسم العالم إلى «نحن» و«هم». والأهم أن مونتيل لا تحصر هذه الظاهرة في الطوائف المتطرفة، بل تراها طيفاً يمتد إلى جماعات مألوفة في حياتنا اليومية.
وهذا ما يجعل الأمر أخطر مما نظن. فلغة التعصب لا ترتفع نبرتها دائماً. قد تأتي مهذبة تماماً، كقولنا «هذا رأي العقلاء»، وهي عبارة تُقصي المخالف دون أن ترفع صوتاً، لأنها تفترض أن من يخالفنا خارج دائرة العقل أصلاً. والتعميم، والسخرية، والتلميح، وقطع الكلام بابتسامة، كلها لبنات بالخطورة نفسها.
وتضاعف وسائل التواصل هذا الأثر. فالجملة تنتشر بسرعة، وتفقد سياقها في الطريق، وتكسب مع كل إعجاب شرعية لم تكن تملكها. وقد يكفي إعجاب واحد ليقنع صاحب العبارة بأنها حقيقة لا رأي. ويتحول الحوار من محاولة فهم إلى سباق لإثبات أن الآخر مخطئ.
والمخرج يبدأ من مراجعة مفرداتنا الصغيرة. الفرق بين «أختلف معك» و«أنت لا تفهم» هو الفرق بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها. وبين «أنتم دائماً مخطئون» و«أرى الأمر من زاوية أخرى» مسافة قصيرة في اللفظ، لكنها طويلة في الأثر. ولا يعني هذا أن نتخلى عن قناعاتنا، فالتسامح لا يطلب منا أن نتفق مع الجميع، بل أن نميز بين من نختلف معه وما نختلف فيه.
وقد قيل قديماً، وتُروى عن الإمام علي: «ما خاطبني جاهل إلا غلبني». والمعنى أن من يريد الغلبة لا الفهم يجرّك إلى ميدان الصخب والتعميم والسخرية، فإن نزلت إليه خسرت ولو كنت على حق. ولهذا فإن أقوى الردود أحياناً أهدؤها.