أ. د. جهان العمران

نميل عادة إلى تعريف الفقد بأنه موت شخص عزيز، لكن الفقد في حقيقته النفسية أكبر من لحظة الرحيل. فعندما يرحل من نحب، لا يغيب شخص واحد فحسب؛ بل يغيب معه عالم كامل من العادات والذكريات والتفاصيل التي كانت تمنح أيامنا إيقاعها ومعناها.

تبقى النظارة في مكانها، والقلم فوق الطاولة، والكرسي فارغاً، وكأن الأشياء لم يصلها خبر الرحيل بعد. تبدو هذه المقتنيات للآخرين أشياء عادية، لكنها لدى المفجوع تحمل أثر حضور غاب، وتفتح في القلب باباً للذاكرة لا يُغلق بسهولة. ولعل أكثر ما يؤلم في الأيام الأولى أن الأشياء تبقى، بينما صاحبها لا يعود. عندها ندرك أن الفقد ليس غياب الجسد وحده، بل غياب الروح التي كانت تبث الحياة في التفاصيل الصغيرة.

وحين تفقد المرأة زوجها، فهي لا تفقد شريك الحياة فقط؛ بل قد تفقد من كان يشهد تفاصيل يومها، ويشاركها القرار، ويمنح البيت إيقاعه المألوف. وقد تشعر أنها خسرت جزءاً من هويتها وكيانها وروحها. وحين يفقد الإنسان أحد والديه، قد يشعر أن جزءاً من جذوره وذاكرته الأولى قد اقتلع؛ ففقد الأم قد يشعره بفقدان الأمان، وفقد الأب قد يهز لديه معنى الاستقرار والحماية. أما فقد الابن، فإنه يصيب معنى المستقبل نفسه، ويهز لدى الوالدين الإحساس بالاستمرارية والامتداد؛ فالأسرة لا تودع ابناً فحسب، بل تودع أحلاماً لم تتحقق، ويبدو الزمان للحظة كأنه توقف عن الدوران.

ولهذا أصف الفقد بأنه تجربة وجودية صادمة؛ لأنه يضع الإنسان أمام سؤال: «مَن أنا بعد الفقد»، ثم يفتح أمامه سؤالاً أشد إيلاماً: «كيف ستكون حياتي بعده».

ومن هنا يبرز مفهوم «الحزن الواعي»، بوصفه أسلوباً نفسياً ناضجاً في التعامل مع الفقد. والحزن الواعي هو أن نعيش الحزن دون إنكار، وأن نحضر مع تجربتنا باتزان؛ وأن نسمح لأنفسنا بالألم والاشتياق من غير إنكار أو مقاومة، لكن أيضاً من غير أن نستسلم للاجترار، أو نغرق في الحزن. إنه لا يقوم على كبت المشاعر ولا على تضخيمها، بل على ملاحظتها وفهمها والتعامل معها باعتبارها خبرة إنسانية طبيعية تحمل رسالة ومعنى، لا حالة ينبغي قمعها أو إلغاؤها.

إن شدة الحزن لا تدل بالضرورة على هشاشة الشخصية؛ بل كثيرًا ما تدل على عمق الرابطة ومكانتها. فالحزن هو ضريبة الحب. لكن هذه العبارة لا تمجد الألم، ولا تطالب المفجوع بأن يبقى أسيرًا له؛ إنها فقط تعيد إلى الحزن كرامته، وتقول للإنسان: ما تشعر به مفهوم، لأن ما فقدته كان عظيمًا في حياتك.

وتتأثر تجربة الحزن بعوامل عديدة، من بينها طبيعة العلاقة بالراحل، وظروف الوفاة، ومدى توقعها أو فجائيتها، والخبرات السابقة مع الفقد، والحالة النفسية والجسدية للمفجوع، وحجم المساندة الأسرية والاجتماعية المتاحة له. ويساعدنا فهم هذه العوامل على تحرير الحزن من القوالب الاجتماعية والأحكام الأخلاقية التي كثيرًا ما تفرض على المفجوعين، وعلى الامتناع عن مطالبتهم بالتعافي وفق توقيت يحدده الآخرون. فلكل إنسان طريقته الخاصة في التعبير عن حزنه يجب أن نعترف بها ونحترمها، فلا توجد مدة واحدة، ولا صورة واحدة للحزن، تنطبق على الجميع.

ولا يعني التكيف مع الفقد نسيان من رحل، أو محو حضوره من الذاكرة، أو التوقف عن الاشتياق إليه؛ فالعلاقة لا تنتهي أبدا، وإنما تتغير صورتها. قد يستمر حضور الراحل في الدعاء، وفي القيم التي غرسها، وفي المواقف التي نستعيدها، وفي الأعمال النافعة التي نقوم بها وفاءً له.

ولعل الغياب ليس نقيض الحضور ، بل قد يصبح شكلًا آخر منه؛ فالأحبة الذين يرحلون ينتقلون، بعد انطفاء حضورهم المرئي، من الخارج إلى الداخل، ومن اللقاء إلى الحنين، ومن تفاصيل الحياة اليومية إلى أثر حي باقٍ في الذاكرة والروح.

ويبدأ التعافي حين نستطيع أن نحمل هذا الحضور الداخلي معنا، من غير أن يحول الألم بيننا وبين مواصلة الحياة؛ فنمنح الحزن مكانه، من دون أن نجعله يستحوذ على كل مساحات العمر، ونجد معنى للفقد - مستعينين بالإيمان بالله والصبر- لأن نستمر دون أن ننهار، و ننهض من غير انكسار، بل لأن ننمو ونزدهر، وفاء لذكرى من رحل، واستمراراً لرسالته في الحياة، كطائر الفينيق الذي يحترق ويشتعل، ثم ينهض من رماده ليحلق من جديد.

* من كتاب المؤلفة: «سيكولوجية الفقد والحزن: نحو التكيف النفسي، وبناء المعنى، والنمو».

* أكاديمية وباحثة