حسن الستري - تصوير: سهيل وزير
أكد المدير العام للمنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات محمد بن عمر أن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي تفرض تعزيز التعاون العربي في مجال الأمن السيبراني، في ظل تنامي المخاطر التي تستهدف الأنظمة والبنى التحتية الحيوية، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد الأدوات التي يمكن توظيفها في الهجمات السيبرانية، بما يرفع مستوى التحديات التي تواجه الدول العربية.
وقال بن عمر، في حوار مع «الوطن» على هامش ورشة الذكاء الاصطناعي التي استضافتها البحرين، إن الهجمات السيبرانية يمكن أن تستهدف قطاعات حساسة، من بينها المصارف والطاقة والصحة وأنظمة الدولة، مؤكداً أهمية العمل العربي المشترك في مواجهة هذه المخاطر، خصوصاً في ظل التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والقدرات السيبرانية.
وتناول بن عمر في الحوار تداعيات الاعتداءات الإيرانية على البحرين والمنطقة، مشيراً إلى أهمية تعزيز القدرات العربية في مجال الأمن السيبراني، وتطوير آليات مشتركة لحماية الأنظمة الحيوية والبيانات، في ظل ما تشهده المنطقة من تحديات أمنية وتقنية متزايدة.
وفي الجانب المتعلق بالذكاء الاصطناعي، أكد بن عمر أن مملكة البحرين بحاجة إلى قانون متخصص لتنظيم الذكاء الاصطناعي، إلى جانب بقية الدول العربية، لافتاً إلى أن المملكة لديها العديد من التجارب الناجحة في هذا المجال، ويمكنها مشاركة هذه التجارب مع الدول العربية.
وكشف أن المنظمة ستتعاون مع الدول العربية، ومن بينها البحرين، لتطبيق «مؤشر المستقبل للذكاء الاصطناعي»، الذي يقيس جاهزية الدول لاعتماد هذه التقنيات في مختلف القطاعات، على أن يبدأ تقييم الدول خلال المرحلة المقبلة، فيما يُنتظر صدور أول تقييم لمستوى النضج في مجال الذكاء الاصطناعي بعد نحو عام.
وأوضح أن المؤشر يتناول مجموعة من الأبعاد، تشمل البنية التحتية والتشريعات وحقوق الإنسان والخصوصية وحرية الرأي، فيما تعمل المنظمة، في إطار العمل العربي المشترك وتحت مظلة جامعة الدول العربية، على إعداد إطار عربي لحوكمة الذكاء الاصطناعي، متوقعاً إرساء هذا الإطار خلال عام 2027.
وأشار بن عمر إلى أن المنظمة لم تُجرِ حتى الآن تقييماً رسمياً لجاهزية البحرين في مجال الذكاء الاصطناعي، باعتبار أن تطبيق المؤشر على الدول العربية سيبدأ خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً في الوقت نفسه أهمية التجارب البحرينية في هذا المجال، وضرورة توفير أطر تنظيمية وتشريعية تساعد الشركات الناشئة على النمو والتوسع.
كما دعا إلى إنشاء هيئة عربية عليا تكون مرجعاً تنفيذياً في قضايا الذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بالأطر الاسترشادية، إلى جانب تطوير بنية تحتية عربية مشتركة للتعامل مع البيانات الحساسة، بما يعزز السيادة الرقمية ويحمي البيانات والأنظمة الحيوية. وفيما يلي نص الحوار:
هل تعمل المنظمة حالياً على إعداد إطار عربي موحد لحوكمة الذكاء الاصطناعي؟ وما الذي يمكن أن تكشفوا عنه اليوم بشأن ملامح هذا الإطار والجدول الزمني لإطلاقه؟
- في المنطقة العربية، عملت المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات مع بقية الشركاء في المنطقة، سواء الأمانة الفنية لجامعة الدول العربية أو بقية المنظمات والمؤسسات الإقليمية الموجودة في الوطن العربي، على إعداد الاستراتيجية العربية للصناعة، والميثاق العربي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والمبادرة العربية للذكاء الاصطناعي.
وتهدف هذه الأطر إلى تنظيم عملية اعتماد الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، وتحديد الأولويات والإطار العام لهذا المجال وهذه التكنولوجيات الناشئة. الحوكمة مسألة مهمة جداً، وقد وردت، سواء في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية أو في المبادرة العربية للذكاء الاصطناعي، ضرورة وجود إطار لحوكمة الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، وأن تتجه المنطقة نحو إحداث هيئة عربية تتكون من الأطراف التي تتحكم في الذكاء الاصطناعي في مختلف البلدان العربية، وكذلك المنظمات التي يُوكَل إليها تنظيم مجال الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية.
أما بالنسبة إلى الإطار الزمني، فقد انتهينا الآن من تشكيل مجموعة من الفرق تحت اللجنة الدائمة للذكاء الاصطناعي، التي تعمل تحت مظلة مجلس الوزراء العرب. وسيُوكَل إلى هذه اللجنة الفرعية، التي تعمل تحت مظلة اللجنة الدائمة للذكاء الاصطناعي، اعتماد حوكمة للذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية. وهذه الفرق شُكّلت حديثاً، ويمكن القول إنه خلال عام 2027 سيتم إرساء حوكمة للذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية من خلال عمل مختلف هذه الفرق العربية.
هل يمكن أن تكشفوا لنا عن النتائج الأولية لمؤشر المستقبل للذكاء الاصطناعي الذي أطلقتموه في منطقة الحمامات؟ وما الدولة أو الدول التي تخضع للقياس في المرحلة الأولى؟
- هو مبادرة المستقبل، وهو مؤشر لقياس الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، ويركز أساساً على جاهزية البلدان العربية لاعتماد الذكاء الاصطناعي في مختلف الإدارات والقطاع الخاص والمؤسسات والتعليم ومختلف القطاعات.
وما يميز هذا المؤشر هو أنه أكثر تأقلماً مع وضعية الدول العربية، لأن أكثر المؤشرات الموجودة في العالم تعتمد على مسائل مثل البنية التحتية ومحركات الذكاء الاصطناعي، وهي أمور غير موجودة في أغلب البلدان العربية.
فأغلب البلدان العربية لديها برامج، لكنها تعتمد على بنية تحتية موجودة خارج المنطقة العربية، أساساً في أمريكا والصين، وبدرجة أقل في أوروبا. وبالتالي، فإن هذه المؤشرات لا تأخذ بعين الاعتبار مدى نضج البلدان العربية في هذا المجال. أما هذا المؤشر، فيأخذ بعين الاعتبار هذه الوضعية، وبالتالي سوف يعطي صورة أكثر وضوحاً حول مدى تقدم اعتماد الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية.
هل سيقيس المؤشر الجاهزية التقنية، أم سيدخل في تقييم التشريعات وحماية البيانات وحقوق الإنسان والحوكمة والأمن السيبراني؟ وهل سيكون متاحاً للجمهور؟
- المؤشر يتضمن عدة أبعاد، من ناحية البنية التحتية، والتشريع، واحترام حقوق الإنسان، في شتى المجالات مثل الخصوصية وحرية الرأي وغيرها. وسوف يكون متاحاً، ولكن تطبيقه يبقى رهين مدى استجابة الهيئات والمؤسسات الموجودة في البلدان العربية للتعاون في هذا المجال.
نحن طرحنا هذه المبادرة، وأعطينا الشكل العام لهذا المؤشر، والآن سوف نطلب من مختلف الجهات الموجودة في البلدان العربية أن تتعامل مع هذا المؤشر، وأن تمدنا بالإحصائيات، حتى يتم أولاً اعتمادها، وثانياً مقارنة مدى نضج البلدان العربية في اعتماد الذكاء الاصطناعي.
تحدثتم عن حاجة الدول العربية إلى جهة مؤسسية مسؤولة عن تنظيم الذكاء الاصطناعي. هل تعمل المنظمة حالياً على تصور محدد لتشكّل هذه الجهة وصلاحياتها؟ وهل هناك دول عربية بدأت بالفعل في إنشاء مثل هذه الجهات؟
- الحاجة إلى إحداث إطار مؤسسي يُعنى بحوكمة الذكاء الاصطناعي أمر ضروري على كل المستويات؛ أولاً على مستوى البلدان، وثانياً على مستوى الإقليم، وثالثاً على المستوى العالمي.
على المستوى العالمي، الأمر مطروح، وهناك العديد من النقاشات الموجودة اليوم على مستوى الأمم المتحدة واليونسكو وعدة منظمات دولية متخصصة في هذا المجال. وعلى مستوى الإقليم، نعرف اليوم أن الاتحاد الأوروبي قد شكّل إطاراً لحوكمة الذكاء الاصطناعي بمقتضى قوانين خاصة، وكانت من أوائل القوانين التي أُصدرت على مستوى الأقاليم في الاتحاد الأوروبي.
وفي المنطقة العربية، نعمل في إطار العمل العربي المشترك وتحت مظلة جامعة الدول العربية من أجل إرساء هذا الإطار المؤسسي أولاً على مستوى الإقليم العربي.
ولكن مثل هذه المؤسسات ليس لها أي طابع إلزامي على الدول، وإنما طابعها استشاري واختياري.
والمطلوب اليوم أن يكون لكل الدول العربية أيضاً هذا الإطار المؤسسي الذي ينظم مسألة اعتماد الذكاء الاصطناعي في مختلف البلدان العربية، مثل بقية القطاعات، كالنقل والصحة والتربية، إذ يوجد طرف مسؤول على مستوى الدولة يُعنى أولاً بتنظيم القطاع، وثانياً بتطويره واقتراح القوانين الناظمة له.
تحدثتم أيضاً عن إنشاء جهة يمكن للمواطن أن يلجأ إليها للتظلم من استخدام الذكاء الاصطناعي. هل تقترحون أن تكون هذه الجهة مستقلة عن الجهات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي؟ وما الصلاحيات التي ينبغي أن تتمتع بها؟
- في هذا الإطار، نحن ندعو إلى أن يكون هناك إطار مؤسسي، أي مؤسسة تُعنى بكل المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
فكل المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ليس هناك طرف معين يقوم بتنظيمها وتقبّل التظلمات التي يمكن أن تحدث من جراء استخدام الذكاء الاصطناعي.
وعند إحداث هذه المؤسسة أو هذا الإطار، يكون من مهامها تنظيم هذا المجال، وإحداث هيئات أخرى للتظلم، أو هيئات لتطبيق القانون، أو هيئات لتطوير اعتماد هذه التكنولوجيا.
ولكن اليوم هناك غياب تام، وبالتالي نحن ندعو، على الأقل، إلى أن تكون هناك مؤسسة واحدة تكون هي المرجع في كل المسائل التي تتعلق بالذكاء الاصطناعي.
ذكرتم أن الأطر العربية الحالية استرشادية وغير ملزمة. هل هناك نقاش لتحويل بعضها مستقبلاً إلى إطار عربي ملزم أو إلى اتفاقية عربية تتعهد الدول بتطبيقها؟
- في إطار العمل العربي المشترك، نحن نعمل في إطار مواثيق وترتيبات جامعة الدول العربية، وأغلب القرارات التي تصدر على مستوى جامعة الدول العربية هي قرارات غير ملزمة للدول، ما عدا الاتفاقيات.
والاتفاقيات ملزمة للدول، ولكن اعتماد اتفاقية يأخذ كثيراً من الوقت، وطريقة اعتمادها تقتضي أن يتم اعتمادها على مستوى كل دولة على حدة، حتى تكون ملزمة للدول التي صادقت عليها.
ولكن بشكل عام، أغلب القرارات التي تصدر على مستوى جامعة الدول العربية هي قرارات استرشادية وغير ملزمة للدول العربية.
ما أبرز الثغرات التي اكتشفتها المنظمة في التشريعات العربية الحالية عند مقارنة قوانين الدول العربية بالتطور السريع للذكاء الاصطناعي؟
- أغلب الثغرات تتعلق بالخصوصية. ونعرف أنه في المنطقة العربية أكثر من نصف البلدان العربية ليس لديها إطار ناظم لحماية البيانات الشخصية.
وهذه إحدى الثغرات التي وجدناها، والتي قمنا بإعداد دراسة بشأنها في المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات.
ودعونا أولاً إلى اعتماد ميثاق عربي لحماية البيانات الشخصية، وثانياً دعونا إلى الانضمام إلى الاتفاقية 108 للاتحاد الأوروبي، والتي هي بمثابة اتفاقية دولية تحمي البيانات الشخصية.
فالذكاء الاصطناعي اليوم يتعامل مع كثير من بياناتنا الشخصية ويستخدمها، وهذا في حد ذاته يمثل ثغرة كبيرة لا بد أن نكون منتبهين إليها.
في ظل استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية، هل ترون ضرورة أن يكون للمواطن حق طلب مراجعة بشرية لأي قرار اتُّخذ آلياً بحقه؟ وهل هذه الفكرة مطروحة ضمن أعمالكم الحالية؟
- لنتحدث بصفة عامة. صدر قرار على مستوى الأمم المتحدة ينص على أن كل الحقوق والواجبات المعتمدة خارج الخط هي أيضاً قائمة على الخط، وبالتالي فإن كل الخدمات على الخط من المفترض أن تحترم كل الحقوق والواجبات.
وحق المواطن في أن يتظلم لدى الإدارة من أجل حق لم يُستوفَ مكفول بالقوانين الموجودة في كل بلد.
وبالتالي، عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي، فليس هناك استثناء لهذا الحق في التعامل مع الإدارة.
تحدثتم عن السيادة الرقمية في الحوكمة العربية للذكاء الاصطناعي. كيف يمكن للدول العربية تحقيق هذه السيادة في ظل اعتماد معظمها على نماذج ومنصات ذكاء اصطناعي تطورها الشركات العالمية؟
- حتى نكون صريحين، فإن أكبر النماذج ومحركات الذكاء الاصطناعي، بنسبة 90%، موجودة إما في أمريكا أو في الصين.
وهناك نسبة قليلة جداً موجودة في أوروبا. وبالتالي، فإن كل البلدان العربية اليوم عندما تستعمل الذكاء الاصطناعي، فإنها تعطي بياناتها إلى محركات وبيانات موجودة خارج الإقليم العربي.
ونحن نعلم أن هذه المسألة مرتبطة بالاعتماد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهي مكلفة جداً، ومشروطة أيضاً بالتحكم في التكنولوجيا.
وبالتالي، المطلوب اليوم أن تكون هناك شراكة عربية-عربية بين البلدان العربية لإقامة بنية تحتية خاصة بالذكاء الاصطناعي للمسائل الحساسة للحكومات، حتى لا تتم مشاركة هذه البيانات الحساسة للبلدان العربية مع أطراف خارجة عن المنطقة العربية.
ويكمن الحل في التعاون في مشاريع إقليمية عربية يتم بمقتضاها إرساء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي، خاصة بالنسبة إلى البيانات الحكومية والبيانات الحساسة.
هل تعمل المنظمة على تشجيع تطوير الذكاء الاصطناعي العربي أو نماذج عربية مشتركة تكون البيانات المستخدمة في تدريبها خاضعة لضوابط عربية وتحافظ على الخصوصية واللغة والسياق الثقافي للمنطقة؟
- نحن حرصنا على هذه المسألة منذ اعتماد الميثاق العربي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وقد تم التنصيص في هذا الميثاق على أهمية أن تحترم النماذج أولاً هويتنا العربية، ودين الإسلام الموجود في المنطقة العربية ومعتقداتنا، حتى نأخذ بعين الاعتبار جميع الفئات الموجودة في المنطقة العربية ولغتنا العربية.
وكل هذه الأمور لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار في اعتماد الذكاء الاصطناعي.
وعندما يكون الأمر متعلقاً بالمنطقة العربية، فنحن نعتقد أنه من المهم وجود ميثاق عالمي تتفق فيه كل الشعوب، ولكن لكل منطقة إقليمية أن تعتمد ميثاقاً خاصاً بها يحترم هويتها وتقاليدها ولغتها ومعتقداتها، ويكون متأقلماً أكثر مع هوية المنطقة التي يتم فيها اعتماد الذكاء الاصطناعي.
إلى أي مدى ترون أن اللغة العربية ما زالت تعاني من فجوة في نماذج الذكاء الاصطناعي مقارنة بالإنجليزية؟ وهل لدى المنظمة مشروع محدد لمعالجة نقص البيانات والمحتوى العربي عالي الجودة المستخدم في تدريب النماذج؟
- نحن نقر بأن وجود اللغة العربية اليوم على المنصات الإلكترونية بصفة عامة ضعيف جداً.
وقد قمنا بالعديد من المبادرات من أجل التشجيع على اعتماد اللغة العربية في المحتوى الموجود على شبكة الإنترنت بصفة عامة، واليوم أيضاً على مستوى الذكاء الاصطناعي.
ولكن بفضل الذكاء الاصطناعي، هناك العديد من التسهيلات التي تعتمد على جميع اللغات، وهناك إمكانية لترجمة هذه اللغات، وسهولة التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتماد اللغة وحتى اللهجة بالنسبة إلى مختلف اللغات.
وبالتالي، هناك مجال لتشجيع اعتماد اللغة العربية في المحتوى الموجود على المنصات والشبكات الدولية.
في موضوع حماية البيانات، هل تبحثون إمكانية وضع معيار عربي موحد لتقييم ما إذا كان نظام ذكاء اصطناعي معين آمناً قبل السماح باستخدامه في القطاعات الحساسة مثل الصحة والتعليم والقضاء؟
- بطبيعة الحال، نحن عملنا منذ مدة على مسألة حماية البيانات الشخصية بالنسبة إلى كل المنصات، سواء كانت منصات التواصل الاجتماعي أو منصات الذكاء الاصطناعي أو كل المنصات الموجودة على الخط.
ودعونا إلى اعتماد ميثاق عربي لحماية البيانات الشخصية، واعتماد نص قانوني ملزم لكل البلدان العربية، خاصة أن نصف البلدان العربية ليست لديها قوانين ناظمة لحماية البيانات الشخصية.
وبالتالي، فإن وجود نص ملزم، واتفاقية عربية لحماية الخصوصية، قد يكون هو السد المنيع الذي يحمي الشخصية العربية ضد الهيمنة الموجودة اليوم من المنصات العالمية، سواء كانت منصات للذكاء الاصطناعي أو لشبكات التواصل الاجتماعي.
مع توسع الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني، هل تعمل المنظمة على إطار عربي يحدد استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات والدفاع السيبراني، خصوصاً أن التقنية يمكن أن تستخدم في الاتجاهين؟
- المنظمة عملت في السابق على إعداد الاستراتيجية العربية للأمن السيبراني كإطار موحد لمختلف البلدان العربية، يتم فيه التعاون وتبادل البيانات فيما بينها، خاصة عند حدوث هجمات سيبرانية مكثفة، إذ إن تبادل المعلومات يوفر الحماية لبقية البلدان التي لم تصلها هذه الهجمات بعد.
وقد كانت هذه الاستراتيجية العربية الأولى في مجال الأمن السيبراني. بعد ذلك، تم إحداث مجلس الوزراء العرب للأمن السيبراني، وهو هيكل جديد، والأمانة الفنية موجودة في الرياض بالمملكة العربية السعودية.
ومنذ ذلك الوقت، صار هذا الهيكل، مجلس الوزراء العرب للأمن السيبراني، هو الإطار العربي الذي يُعنى بمسألة حماية المنطقة العربية من الهجمات السيبرانية، خاصة في هذا الوقت الذي تطورت فيه هذه الهجمات باستعمال الذكاء الاصطناعي.
وينتظر أيضاً أن تتطور هذه الهجمات أكثر وأكثر باستعمال الحوسبة الكمية، وهي تقنية متطورة جداً وبإمكانها فك جميع الشفرات الموجودة والمعتمدة اليوم في تأمين المواقع والشبكات.
وبالتالي، هناك دعوة ملحة لجميع البلدان العربية، وأيضاً إلى مجلس الوزراء العرب للأمن السيبراني، لأخذ هذه المسألة بالجدية اللازمة، ودعوة كل البلدان العربية إلى تجهيز نفسها لهذا الوقت الذي سوف تصبح فيه هذه التقنية متداولة، وسوف يكون الخطر محدقاً بنا جميعاً.
أشرتم إلى مشاركة القطاع الخاص في الحوكمة. هل هناك شركات تكنولوجية كبرى تشارك بالفعل في النقاشات التي تقودها المنظمة؟ وهل طلبتم منها التزامات محددة تتعلق بالشفافية أو حماية البيانات أو المسؤولية عن مخرجات أنظمتها؟
- من ناحية المبدأ، عندما تكون هناك أطر وترتيبات قانونية، فهي تسري على الجميع، سواء كان القطاع الحكومي أو القطاع الخاص أو جمعيات المجتمع المدني.
نحن نتعاون مع القطاع الخاص، وفي مختلف أعمالنا نقوم بدعوة الاتحادات العربية الممثلة للقطاع الخاص العربي في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال، مثل الاتحاد العربي للاتصالات والإنترنت، والاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، وأيضاً مجلس الوحدة العربية، وهو الذي يمثل القطاع الخاص على مستوى هيئات جامعة الدول العربية.
وفي كل أعمالنا، نعرض عليهم الوثائق التي نريد اعتمادها قبل اعتمادها، لمناقشة هذه المواضيع والأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر القطاع الخاص.
وبالتالي، نحن نتعاون مع كل هذه الاتحادات التي تمثل القطاع الخاص العربي في كل أعمالنا، ونشركها في اجتماعاتنا، ونعتقد أن العمل لا بد أن يكون بالتشاور وبالتوازي بين القطاع العام والقطاع الخاص.
أطلقتم أيضاً تحالف «أوائل» لتعزيز دور النساء في قيادة الذكاء الاصطناعي. هل يمكن أن تكشفوا عن أول برنامج أو مشروع عملي سيبدأ به التحالف؟ ومتى سيتم تنفيذه؟ وما العدد المستهدف من المستفيدات؟
- التحالف مبادرة جديدة للمنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات، تم إطلاقها بمناسبة قمة الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل 2026. وهذا التحالف يهدف إلى إكساب الكفاءات النسائية الكفايات اللازمة للريادة.
ونحن نعرف أنه على مستوى الشهادات والتخرج من الجامعات، فإن نسبة المرأة مرتفعة، وتكاد تكون أعلى حتى من نسبة الرجال، ولكن على مستوى القيادة والريادة نجد هذه النسبة التي كانت في حدود 50% تتقلص إلى ما دون 20%.
وبالتالي، هناك خسارة للمجتمعات والشعوب في أن يكون هناك أشخاص لديهم كفاءة كبيرة، ولكن لا تُمنح لهم الفرص للتواجد في المراتب العليا. وقلنا إن هذا التحالف سوف يتضمن برامج تدريب للعناصر النسائية لإعطائها الكفاية اللازمة للريادة. وسوف يكون التحالف بالتعاون مع بقية المبادرات المماثلة، سواء كانت على مستوى الأكاديميات الأخرى أو في المنظمات الدولية مثل الاتحاد الدولي للاتصالات، أو مع جمعيات وطنية موجودة في مختلف البلدان، لبناء مقومات الريادة لدى العناصر النسائية من خلال عدد من الدورات التدريبية والمؤتمرات، لتأهيلها للاضطلاع بأدوار ريادية في قطاع تكنولوجيات الاتصال، وخاصة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات البازغة.
بما أن المقابلة تُجرى للصحيفة البحرينية، لابد أن نسأل كثيراً عن البحرين. كيف تقيمون تجربة مملكة البحرين في مجال الذكاء الاصطناعي مقارنة بالدول العربية؟ وما أبرز نقاط القوة التي لمستموها خلال زيارتكم؟
- نحن نعتقد أن لدى مملكة البحرين العديد من التجارب الناجحة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن مشاركتها مع مختلف البلدان العربية، ونرى أن هذه البرامج يمكن أن تتطور أكثر باعتماد نصوص مشجعة وناظمة للذكاء الاصطناعي في مملكة البحرين.
ونحن نعرف أن الوضعية متشابهة لدى عدة بلدان خليجية، بما فيها مملكة البحرين. وبالتالي، فإن العمل على اعتماد نصوص تنظيمية يشجع، خاصة، الشركات الناشئة الموجودة اليوم، والتي لديها مستوى مرموق جداً، على التقدم لتصبح شركات كبيرة عاملة في مجال الذكاء الاصطناعي.
هل أجرت المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات تقييماً لجاهزية البحرين للذكاء الاصطناعي؟ وإن كان نعم، فما أبرز النتائج التي يمكن الكشف عنها؟
- نحن أطلقنا هذا المؤشر الأسبوع الماضي، والآن سوف نتعاون مع مختلف الجهات المسؤولة في البلدان العربية، بما فيها البحرين، لتطبيق هذا المؤشر.
وبعد فترة من الآن، بعد سنة، سوف نعطي التقييم الأول لتطبيق هذا المؤشر لنضج البلدان العربية في مجال الذكاء الاصطناعي، وعندها سوف نقيم معاً مختلف البلدان العربية.
هل ترون أن التشريعات البحرينية الحالية كافية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، أم أن البحرين بحاجة إلى قانون متخصص؟ وما أبرز الجوانب التي تحتاج إلى معالجة؟
- كل البلدان العربية، بما فيها البحرين، في حاجة إلى قانون متخصص لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي اليوم صار موجوداً في كل أوجه الحياة، وصار يمس جميع القطاعات، وفي هذه الحالة نحن نعرف أنه كلما انتشرت تكنولوجيا، لابد من تنظيمها.
وبالتالي، فإن الإخوة في كل البلدان العربية مدعوون إلى إصدار قانون ينظم اعتماد الذكاء الاصطناعي في بلدانهم.
في ظل الاعتداءات العسكرية الإيرانية على دول الخليج، إلى أي مدى تتوقعون تصاعد الهجمات السيبرانية ضد دول الخليج؟ وما أبرز القطاعات التي ينبغي أن تكون في حالة تأهب؟ وهل لدى المنظمة معلومات عن أدوات جديدة لهذه الهجمات يمكن التحذير منها؟
- بصفة عامة، الهجمات السيبرانية أصبحت جزءاً من الحروب اليوم، وكل الحروب التي نشأت رأينا فيها، بالتوازي مع الحرب التقليدية، حرباً سيبرانية تهدف إلى تدمير قدرات البلدان، وخاصة المؤسسات الحساسة.
فالقطاع المصرفي وقطاع الطاقة وكل هذه المؤسسات مستهدفة من خلال الهجمات السيبرانية.
وكما أسلفت، فإن مسألة تنظيم قطاع الأمن السيبراني أصبح لها جهاز على مستوى المنطقة العربية، وهو مجلس الوزراء العرب للأمن السيبراني، والأمانة الفنية لمجلس الوزراء العرب للأمن السيبراني الموجودة في الرياض، والتي أُوكل إليها التعامل مع هذه المسألة إقليمياً.
ونحن، كمنظمة، نتابع هذه المسألة، ولدينا من الخبرات ما يمكن أن نساهم به في دورات تدريبية متخصصة في هذا المجال لحماية البنية التحتية الحساسة، ولكن على مستوى ريادة الأمن السيبراني في المنطقة العربية، فإن الأمر يعود إلى هذا الجهاز.
ما القطاعات التي ينبغي أن تكون في حالة تأهب؟
- القطاعات الحساسة، مثل الطاقة والصحة وأجهزة الدولة بمختلف أنواعها، الموكول إليها أي مسؤولية تتعلق بحماية الدولة.
وبالتالي، فإن كل هذه القطاعات هي قطاعات معروفة بوصفها قطاعات حساسة، وتكون لها الأولوية في الحماية من الهجمات السيبرانية في حالة الحروب.
ونحن، بطبيعة الحال، ندين كل الهجمات التي شُنّت على مختلف البلدان العربية من القوات الإيرانية، سواء كانت هجمات سيبرانية أو هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ما الالتزام الذي تريدون أن تتبناه الدول العربية بعد هذه الورشة؟ وهل هناك جدول زمني لذلك؟
- هناك ثلاثة أمور مهمة جداً لتطوير اعتماد الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية والتمكن منه.
أولاً، المسألة التنظيمية، وأولها حوكمة الذكاء الاصطناعي على المستوى الوطني والإقليمي، وهذه مسألة مهمة جداً.
ثانياً، أهمية أن تكون هناك بنية تحتية خاصة بالإقليم العربي، وبالتالي الدعوة موجهة إلى كل البلدان العربية للتشارك، على الأقل، في بنية تحتية مشتركة، خاصة بالنسبة إلى محركات المسائل الحكومية والحساسة.
إذا طلبنا منكم تحديد مخرج واحد ملموس تريدون أن تخرج به هذه الورشة خلال اليومين، وليس مجرد توصيات أو مبادئ عمل، فما الوثيقة أو القرار الذي تسعون إلى الوصول إليه؟ وهل هناك موعد محدد لتنفيذه بعد انتهاء الورشة؟
- تشكيل الهيئة العربية للذكاء الاصطناعي، والتي تكون بمثابة الهيئة العليا للنظر في كل المسائل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
ولهذه الهيئة أن تدرج أولاً في برنامج عملها اعتماد قوانين أو مواثيق إقليمية، وثانياً مسألة الاشتراك في البنية التحتية، وكل هذه المسائل حساسة؛ لأنه اليوم ليس هناك إطار مؤسسي عربي يُعنى بهذه المسألة بشكل تنفيذي.
هناك اللجنة الدائمة للذكاء الاصطناعي وفرق العمل، ولكن هذا الإطار هو إطار فكري وتفكيري، ولكن لابد أن تكون هناك هيئة دائمة تنفيذية لمسألة الذكاء الاصطناعي على مستوى المنطقة العربية.
نريد أن نختم بكلمة أخيرة. ماذا تريد أن تقول؟
- نشكر مملكة البحرين على استضافة هذه الورشة المهمة جداً، والتي يمكن أن تكون منطلقاً للعديد من المشاريع التي تؤسس لتنظيم اعتماد الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية.