يستمرّ مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث في تقديم برنامجه الثقافي للموسم الخامس والعشرين، تحت عنوان «أجمل التاريخ كان غداً»، مستمراً من خلال سلسلة واسعة من المحاضرات والأمسيات والمعارض والفعاليات، مسيرته التي كرّس خلالها حضوره بوصفه فضاءً للمعرفة والحوار والفنون، ونافذة تصل البحرين بالمشهد الثقافي العربي والعالمي.
ويأتي الموسم الجديد متزامنًا مع الاحتفاء بمرور ربع قرن على تأسيس المركز، ويحمل عنوان «أجمل التاريخ كان غداً» دلالة على رؤية تتعامل مع التاريخ بوصفه مادة حيّة قابلة للقراءة وإعادة الاكتشاف، لا مجرد ماضٍ محفوظ؛ إذ يجمع البرنامج بين استعادة الذاكرة، وأسئلة الإنسان المعاصر، وتحولات المعرفة، والفنون، والعلوم، والعمارة، والشعر، والإعلام، والذكاء الاصطناعي، في محاولة لصياغة حوار متصل بين ما كان وما يمكن أن يكون.
ويفتتح البرنامج يوم الاثنين 5 أكتوبر أولى أمسياته مع «قطر الندى» في قاعة المركز، مع الفنانة والكاتبة الفلسطينية رائدة طه، التي تستحضر في تجربتها المسرحية أسئلة الهوية والاقتلاع والذاكرة والفقد، من خلال سيرة شخصية تتقاطع مع محطات من التاريخ الفلسطيني والعربي. وفي «قطر الندى» تروي طه حكايات تبدأ بالحب والأعراس والأحلام، قبل أن تدخل الحرب إلى تفاصيل الحياة، في تجربة تجمع بين السخرية والمرارة، وتطرح الإنسان في مواجهة الذاكرة والفقد والأمل.
وفي 12 أكتوبر، ينتقل البرنامج إلى بيت الشعر في المنامة مع أمسية «وطن بحجم عيوننا» للشاعر المصري أحمد بخيت، أحد الأصوات البارزة في الشعر المصري المعاصر، فيما تستضيف عمارة بن مطر في المحرّق في 18 أكتوبر معرضًا شخصيًا للفنانة السعودية زهرة الغامدي بعنوان «بين الذاكرة والمادة»، في تجربة تتقاطع فيها الذاكرة مع المادة، وتتحول فيها العناصر المادية إلى حاملة للمعنى والذاكرة. وفي قاعة المركز، يتناول فوزي البدوي، أستاذ الدراسات اليهودية بالجامعة التونسية وعضو المجمع التونسي للآداب والعلوم والفنون «بيت الحكمة»، في 19 أكتوبر، موضوع «في ضرورة استئناف الدراسات اليهودية في العالم العربي»، مستعرضًا جوانب من اهتماماته البحثية في الدراسات اليهودية وتاريخ الأديان والنقد التاريخي للنصوص الدينية والعلاقة بين الفكر الديني والحداثة. ويواصل البرنامج انفتاحه على الفنون والتجارب العابرة للثقافات، ففي 22 أكتوبر يستضيف بيت الكورار عمل «المُلهمة 2021» للفنانة غادة خنجي، وهو ثوب مستلهم من الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو، يجمع بين الإرث الفني لكاهلو وفن التطريز والحرف التقليدية العربية، في معالجة تحتفي بالهوية والمرأة والقوة الإبداعية. وفي 26 أكتوبر، يحضر سؤال التكنولوجيا ومستقبل الإنسان من خلال محاضرة «الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإنسان» في بيت عبدالله الزايد، مع الناقد والمفكر والمترجم السعودي سعد البازعي، في لقاء يفتح النقاش حول التحولات التي تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي على الإنسان والثقافة والمعرفة.
ويستهل نوفمبر بمحاضرة في قاعة المركز مع صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل بن عبد العزيز آل سعود، يتناول فيها تجربته الممتدة في العمل الدبلوماسي والشأن الدولي، وما راكمته هذه التجربة من رؤى حول تحولات المنطقة والعالم، ودور الإنسان في قراءة الأحداث وفهم أبعادها. وتتوقف المحاضرة عند التاريخ بوصفه ذاكرةً حيّة لا تقتصر على استعادة الماضي، بل تمثل مصدراً للتعلّم وفهم الحاضر واستشراف ما يمكن أن يكون عليه الغد.
ومن هذا المنظور، يفتح سموه حواراً حول المستقبل باعتباره مسؤوليةً مشتركة، تتقاطع في صياغته مسؤوليات الأفراد والمجتمعات والمؤسسات والدول، ويؤكد أهمية المعرفة والحوار والانفتاح في بناء مستقبل أكثر وعياً وتوازناً، يحفظ دروس الماضي ويستفيد منها، ويمنح الأجيال القادمة القدرة على المشاركة في صناعة مستقبلها. قبل أن يستضيف بيت الشعر في 2 نوفمبر أمسية «بين اليقين والسرا» مع الشاعر والصحفي اليمني صلاح عبدو دغيش. وفي 4 نوفمبر، تتجه الأنظار مجددًا إلى الذكاء الاصطناعي، من خلال محاضرة «الذكاء الاصطناعي: نحو نقلة نوعية في التعليم بالوطن العربي» مع البروفيسور أحمد قسوم، أستاذ الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب في المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي في الجزائر. أما الشعر، فيعود إلى الواجهة في 9 نوفمبر من خلال لقاء «سؤال القيمة في الشعر العربي» في بيت الشعر مع الكاتب والشاعر والباحث والإعلامي السوري حسين الجنيد، فيما تستضيف «حرف الديار» في 10 نوفمبر معرض «الفكرة» للفنان نديم كوفي، مواصلةً بذلك حضور الفنون البصرية ضمن البرنامج. وفي 16 نوفمبر، يفتح المركز نافذة على عالم العلوم والفضاء من خلال محاضرة «مستقبل فيزياء الجسيمات والتعاون بين مملكة البحرين وسيرن»، مع الفيزيائي التطبيقي مارتن غاستال، الذي ارتبطت مسيرته بالمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية سيرن. وفي 23 نوفمبر، يستضيف بيت عبد الله الزايد لقاءً بعنوان «الصحافة المعاصرة» مع الكاتبة المصرية أميرة سيد مكاوي، في حوار يتناول تحولات الصحافة وصناعة المحتوى والعلاقة بين الأدب والفنون والإعلام، بينما تقدم قاعة المركز في 30 نوفمبر محاضرة «تعايش وحوار وصراع وصدام الحضارات» مع الباحث في علوم وتاريخ الأديان والحضارات والأساطير الدكتور خزعل الماجدي، الذي يتناول أسباب صعود الحضارات وسقوطها، ومساحات الحوار والصراع بينها عبر التاريخ.
ويأخذ البرنامج في ديسمبر منحى متعدد التخصصات مع إطلاق «Creative Dialogues»، أول منصة متعددة التخصصات للمبدعين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في نسختها الأولى بالبحرين من 3 إلى 5 ديسمبر 2026، تحت شعار «الخيال الجماعي». وتستكشف الفعالية إمكانات التراث في صياغة مستقبل مشترك، من خلال مجموعة من المعارض والمشروعات، بالتعاون مع الجامعة الأميركية في البحرين. ويواصل بيت الشعر برنامجه في 7 ديسمبر مع الشاعرة السورية رشا عمران في أمسية «وحيدات كأعواد البامبو»، في تجربة شعرية تستحضر المنفى والحنين والموت والاغتراب، وتضع الشعر في مواجهة أسئلة الإنسان وتحولات الزمن. وفي 9 ديسمبر، يستعيد المركز سيرة صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة في فعالية ثقافية وفنية بعنوان «به الدنيا ازدَهت شرفاً وفخراً»، تتناول سيرته ومكانته في تاريخ البحرين، وما تركه من أثر في الحياة الاجتماعية والثقافية والإنسانية. أما العلم وتقنيات الفضاء فتحضر في 14 ديسمبر من خلال محاضرة «من الفضاء إلى الأرض: صور الأقمار الاصطناعية في رصد المياه والمخاطر البيئية والاستراتيجية» في قاعة المركز، مع صاحبة السمو الأميرة الأستاذة الدكتورة مشاعل بنت محمد بن سعود بن عبد الرحمن آل سعود، المتخصصة في الجيومورفولوجيا التطبيقية والاستشعار عن بُعد وعلوم الأرض وتقنيات الفضاء والجيوماتكس ونظم المعلومات الجغرافية. وفي بيت عبد الله الزايد، يقدم الكاتب والناقد السينمائي السعودي طارق الخواجي في 21 ديسمبر محاضرة «أطلال المدينة الحديثة»، في مقاربة تتصل بالمدينة والثقافة والسينما والذاكرة، بينما تختتم فعاليات ديسمبر بمحاضرة «المتحف المصري الكبير: هدية مصر للعالم» في 28 ديسمبر مع أحمد فاروق غنيم، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير، في حديث يتقاطع فيه المتحف مع الثقافة والاقتصاد وإدارة المؤسسات الثقافية وحضور مصر الحضاري.
ويستمر البرنامج في يناير، حيث تستضيف أمسية «كبُرج مراقبة نشط» في بيت الشعر في 4 يناير الشاعرة اليمنية هدى أبلان، التي تمتد تجربتها الشعرية إلى عدد من المجموعات الشعرية المترجمة إلى لغات عدة، قبل أن يصل الموسم إلى محطته الأبرز في الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المركز. وتقام بهذه المناسبة ثلاثة أيام احتفالية في يناير، تبدأ في 11 يناير بافتتاح معرض معالي الشيخ راشد بن خليفة آل خليفة «الذاكرة المأهولة» في عمارة بن مطر، بما يحمله عنوان المعرض من صلة مباشرة بفكرة الذاكرة التي رافقت تجربة المركز منذ انطلاقها، ثم يقام في 12 يناير حفل في قاعة المركز مع الفنانة اللبنانية جاهدة وهبه، صاحبة التجربة التي تجمع بين الغناء والشعر والمسرح والتلحين، والتي قدمت خلال مسيرتها أعمالًا مستوحاة من الشعر العربي والعالمي، وتنقلت بين الغناء الصوفي والكلاسيكي والمعاصر وتجارب الأوبرا العربية والجاز ذي المناخات الشرقية.
وتختتم الأيام الاحتفالية في 13 يناير بمحاضرة «البناء بعناية» مع المعمارية اللبنانية المقيمة في باريس لينا غطمة، صاحبة الممارسة المعمارية التي تربط بين الاستدامة والتاريخ والطبيعة والحرف التقليدية، وتقدم من خلال مفهوم «أركيولوجيا المستقبل» قراءة للعلاقة بين العمارة والذاكرة والمواد والبيئة.
ولا تتوقف فعاليات الموسم عند الاحتفاء بالذكرى، إذ تمتد في يناير إلى موضوعات الثقافة والنشر والإبداع. ففي 18 يناير، يستضيف بيت عبدالله الزايد إبراهيم المعلم في محاضرة «السباحة وسط دوامات الثقافة والرياضة وحرية الرأي والإبداع»، متناولًا من خلال تجربته في صناعة النشر قضايا الكتاب وحرية النشر والملكية الفكرية وحضور الثقافة العربية في المشهد الدولي.
وفي 25 يناير، تختتم سلسلة المحاضرات الواردة في البرنامج بمحاضرة «جمجمة جلجامش: فن (الكوميكس) وسرد التاريخ» في قاعة المركز، مع الكاتبة الفلسطينية هدى الشوا، المتخصصة في أدب الطفل واليافعين، في لقاء يستكشف إمكانات السرد البصري وفن الكوميكس في إعادة تقديم التاريخ والأساطير إلى الأجيال الجديدة.
وبالتوازي مع البرنامج الرئيسي، تواصل مكتبة «اقرأ» للأطفال تقديم برنامج ثقافي وإبداعي مخصص للصغار، يهدف إلى تعزيز علاقتهم بالكتاب والقراءة وتنمية الخيال والمواهب الفنية، من خلال ورش تجمع بين التعلم والمرح، وجلسات لقراءة الكتب، ومسابقات فنية تمنح الأطفال مساحة للتعبير عن أفكارهم وإبداعاتهم، بما يجعل المكتبة فضاءً آمنًا ومحفزًا للتعلم والاكتشاف.
كما تستضيف قاعة محمد بن فارس لفن الصوت الخليجي، على امتداد الموسم، أمسيات فنية أسبوعية تقام كل خميس مع فرقة محمد بن فارس، في استعادة مستمرة لفنون الصوت الخليجي وموروثه الموسيقي، بما يعزز حضور الموسيقى المحلية ضمن المشهد العام للبرنامج.
هكذا يأتي الموسم الخامس والعشرون لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة بوصفه امتدادًا لمسيرة ثقافية اختارت منذ بدايتها أن تجعل من البيوت التاريخية أماكن للحياة والمعرفة، وأن تجمع في فضاءاتها الشعر والفن والفكر والعلم والعمارة والموسيقى، وأن تفتح الذاكرة على المستقبل.
وعلى مدى ربع قرن، ظل المركز يعمل على صون الذاكرة البحرينية وإعادة تقديمها ضمن سياق عالمي أوسع، مؤكدًا أن التراث لا يعيش فقط في المباني والوثائق، وإنما في الأفكار التي تنتقل، والأسئلة التي تتجدد، والحوار الذي ينفتح بين الثقافات. ومن هنا يبدو عنوان الموسم «أجمل التاريخ كان غداً» امتدادًا طبيعيًا لهذه الرؤية؛ فالتاريخ، في تجربة المركز، ليس محطة للعودة إليها فحسب، بل مساحة ننطلق منها نحو غدٍ أكثر معرفة واتصالًا وإبداعًا.