عبدالله صويلح

- نحن جميعاً نقوم برحلات طويلة في حياتنا، وإن اختلفت وسائل الانتقال وتعددت الوجهات، إلا أن لكل رحلة تفاصيلها الخاصة. تخيل أنك في رحلة جوية تمتد تسع ساعات أو أكثر، وربما تتخللها محطات ترانزيت في أكثر من دولة، وبينك وبين أشخاص لا تعرفهم اختلاف في الجنسيات والثقافات والمبادئ. تجد نفسك مضطراً للتعايش معهم، ومشاركة المساحة والوقت ذاته، مهما اختلفت الظروف. وقد تمر الرحلة بأجواء مستقرة أحياناً، ثم تفاجئك المطبات الهوائية في لحظات غير متوقعة. وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بمقعدك، سواء كان في الدرجة السياحية أو الأولى، بل بطريقة تعاملك مع الرحلة وما يطرأ فيها.

- ومنذ اللحظات الأولى، قد تواجه في الرحلة مواقف مختلفة؛ بعضها بسيط يمر بابتسامة، وبعضها يحتاج إلى قدر أكبر من الصبر والحكمة، سواء في المطار أو أثناء انتظار الإقلاع أو بعد التحليق. وقد يكون الشخص الذي يجلس بجوارك مختلفاً عنك في طباعه وتفكيره وطريقة تعامله، وربما يكون كثير الحديث أو قليل الكلام أو شديد الحساسية. ومع ذلك، فإن حسن الحوار والمرونة في التعامل قادران على تحويل ساعات طويلة إلى وقت ممتع وخفيف. فليس طول الرحلة هو ما يجعلها مرهقة، وإنما الطريقة التي نتعامل بها مع تفاصيلها. وكلما امتلك الإنسان دبلوماسية في التعامل، أصبح أكثر قدرة على الاستمتاع بالرحلة، مهما طالت أو تغيرت ظروفها.

- وعلى الجانب الآخر، قد يجلس شخص في الدرجة الأولى، فيبدو لمن حوله أنه يعيش الرحلة في أقصى درجات الراحة والهدوء، بعيداً عن كثير من التفاصيل التي قد يواجهها غيره. لكن الراحة لا ترتبط دائماً بمكان المقعد أو قيمته، فهناك مساحة أخرى من الراحة يصنعها الإنسان بنفسه من خلال تصرفاته وطريقة تعامله مع من حوله. فقد يكون المقعد مريحاً، لكن التعامل مع الآخرين متعب، وقد يكون المكان بسيطاً، لكن صاحبه يعيش لحظاته بطمأنينة. لذلك تبقى متعة الرحلة مرتبطة بما نحمله معنا من هدوء وحكمة ومرونة، وبقدرتنا على تجاوز التفاصيل التي قد تعترض طريقنا، حتى نصل إلى وجهتنا ونحن أكثر رضا واستمتاعاً.

- قد تختلف المقاعد في مستوى الراحة، لكنها جميعاً تواجه المطبات الهوائية عندما تهتز الطائرة، ولا يستطيع أحد أن يطلب من السماء أن تجعل رحلته خالية من الاضطرابات. وكذلك هي الحياة؛ قد تختلف ظروف الناس ومواقعهم وإمكاناتهم، لكنهم جميعاً يمرون بمواقف لا يستطيعون التحكم فيها. أصابع اليد ليست متساوية، والناس كذلك ليسوا متشابهين في ظروفهم أو قدراتهم أو طريقة مواجهتهم للأحداث. هناك مواقف تحتاج إلى الحكمة، وأخرى تحتاج إلى الصمت، ومواقف تحتاج إلى التجاوز وعدم التوقف عند تفاصيلها طويلاً. المهم ألا نسمح لمطب عابر بأن يفسد علينا رحلة كاملة، فبعض الاضطرابات لا تحتاج إلا إلى قليل من الصبر حتى تعود الرحلة إلى استقرارها.

- وهكذا هي الحياة، رحلة تختلف تفاصيلها من شخص إلى آخر؛ بين غني وفقير، ومثقف وجاهل، وقوي وضعيف، وبين من يملك الكثير ومن يملك القليل. وفي النهاية، لا تتحدد قيمة الرحلة بما نملكه من مقاعد أو إمكانات، وإنما بقدرتنا على التعامل مع ما نواجهه خلالها. فمن يتقبل الحياة بتفاصيلها، ويعرف كيف يتعامل مع أيامها السهلة والصعبة، يستطيع أن يجد لحظات جميلة حتى وسط الظروف القاسية. أما من يتوقف عند أول مطب ويعتبره نهاية الطريق، فقد يحرم نفسه من بقية الرحلة. لذلك علينا أن نتعلم كيف نواصل السير، وأن نمنح أنفسنا فرصة للاستمتاع بما تبقى من الطريق، وأن نتذكر دائماً: استمتع بالرحلة، بالرغم من المطبات الهوائية.