مَن منا لم يمر بتجربة الفقد؟ مَن منا لم يذق ألم الحزن الحارق حين يرحل عنا شخص عزيز كان نوراً مضيئاً في حياتنا فانطفأ، وجزءاً أساسياً من كياننا فاختفى؟
إن الحزن ليس علامة ضعف، بل هو دليل على عمق الارتباط الإنساني. وإن محاولة تجاوزه بالقفز فوقه، أو إسكاته تحت شعارات «القوة» أو«الصلابة» قد تحرمنا من فرصة النمو النفسي بعد الفقد. ولا يعني ذلك أن التعبير عن الحزن يجب أن يكون ظاهراً للجميع. فبعضنا يحزن بصمت، وبعضنا بالتأمل أو الكتابة أو الصلاة أو الاستمرار في العمل. المهم ألا ننكر ما نشعر به داخلياً، وألا نلوم أنفسنا على مشاعرنا الطبيعية. إنه طريقة للذات في محاولة لم شتاتها، وإعادة بناء العالم الذي انهار بعد أن غاب منه الشخص الذي كنت تشاركه الصباح والمساء والأحلام والذكريات. نحن نحزن لأننا أحببنا بصدق، ولأن الفراق يلامس مكاناً حياً في أعماقنا.
والحزن لا يتبع نمطاً واحداً ثابتاً. فهو يختلف من شخص إلى، فبعض الناس يعبّرون عن حزنهم بالبكاء والانكفاء، وبعضهم يستمرون في عملهم ومسؤولياتهم بهدوء ظاهر. كلتا الطريقتين طبيعيتان، طالما بقي الحزن معترفاً به داخلياً.
لكن قد يصبح سوء الفهم الاجتماعي للحزن مصدر المعاناة الأكبر. بعد الفقد قد نسمع عبارات كثيرة وخاصة للنساء منا، مثل: «كوني قوية»، «الأيام تمحو كل شيء»، «عليكِ أن تتجاوزي بسرعة من أجل أولادك». هذه العبارات، رغم حسن النية، تدفع الإنسان إلى كبت حزنه أو إنكاره.
إن طرق التعبير عن الحزن ليست واحدة. هناك من يعبّر عنه بالبكاء والكلام والحنين العلني، وهناك من يعبّر عنه بالفعل والانشغال والتركيز على المسؤوليات. وهناك من يبدو هادئاً من الخارج، بينما يعيش عاصفة صامتة في الداخل. الخطأ لا يكمن في هذه الاختلافات، بل في مقارنتها، وفي تحويل نمط واحد إلى معيار للصحة النفسية.
المشكلة الحقيقية تبدأ حين يشعر المفجوع أنه لا “يحزن بالطريقة الصحيحة”. حين يتساءل: لماذا لم أبكِ؟ أو لماذا ما زلت أبكي؟ لماذا عدت إلى عملي سريعاً؟ أو لماذا أعجز عن النهوض؟ هذه الأسئلة لا تنبع من الداخل بقدر ما تنبع من نظرات الآخرين، ومن خطاب اجتماعي يُجيد تقييم الحزن أكثر مما يُجيد احتواءه.
تذكرت صديقة عزيزة مر على رحيل زوجها 10 سنوات، وكانت في مجلس عزاء لصديقة لها فقدت زوجها للتو. تقدمت منها إحدى السيدات وسألتها: «منذ متى توفي زوجك» أجابت بصوت مختنق بالعبارات «عشر سنوات»، ثم انفجرت بالبكاء. شعرت بالدهشة عندما رأيتها تبكي بحرقة على وفاة زوجها وكأنه قد توفي بالأمس. ولكني أدركت عندها أن الألم لايزول يبقى كامناً، وينتظر فرصة للظهور ليهجم عليك.
الحزن ليس اختباراً للتماسك، ولا سباقاً مع الزمن، ولا واجباً يجب إنجازه ثم تجاوزه. هو لغة نفسية تحاول أن تعيد ترتيب الداخل بعد زلزال الفقد. وكل لغة تحتاج إلى وقت كي تُفهَم، وإلى أذن صبورة كي تُسمَع.
حين نتحرّر من وهم الشكل الواحد للحزن، نمنح أنفسنا إذناً إنسانياً بأن نحزن بطريقتنا الخاصة. وحين نعترف بأن الحزن لا يُقاس بالمدة الزمنية ولا بالمظاهر، نقترب خطوة من السلام النفسي مع ذواتنا. فليس المطلوب أن نُنهي الحزن، بل أن نتعلّم كيف نعيش معه، دون أن يُقصينا عن الحياة، ودون أن نقصيه عن قلوبنا.
في الختام، إنكار الحزن لا يكون آمناً نفسياً عندما يتحول إلى نمط حياتي دائم، أو عندما يُفرض علينا من الخارج. يجب أن نعيش الحزن بالطريقة التي تناسبنا، فالسلام النفسي الحقيقي لا يأتي من غياب الحزن، بل من قدرتنا على حمله برفق ووعي، والسماح له بأن يؤدي دوره الطبيعي في رحلة التعافي والنمو بعد صدمة الفقد. والحزن يجب أن يعاش بالكامل، دون إنكار أو كبت وإلا تحول إلى حزن معقد أو مطول أي إلى حالة مرضية بحاجة إلى تدخل علاجي.
* أكاديمية وباحثة* من كتاب «سيكولوجية الفقدوالحزن: نحو التكيف النفسي، وبناء المعنى والنمو»