سماهر سيف اليزل

  • - ٪7 من عينة دراسة مدرسية على طلاب تعرضوا لتفاعلات شديدة.. والوعي خط الدفاع الأول
  • - ٪15.5 من أطفال دراسة أبلغوا عن تاريخ لحساسية الطعام.. والبيض الأكثر شيوعاً

قطعة حلوى يتقاسمها طفلان، أو وجبة مدرسية لا تظهر مكوناتها بوضوح، أو أثر بسيط لطعام انتقل أثناء التحضير.. تفاصيل يومية تبدو عادية، لكنها قد تتحول بالنسبة إلى طفل مصاب بحساسية الطعام إلى خطر صحي يستدعي تدخلاً عاجلاً.

فحساسية الطعام لدى الأطفال لم تعد مجرد حالة تستدعي تجنب نوع معين من الأطعمة، بل مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والمقصف والأنشطة والرحلات والمناسبات الاجتماعية، إذ قد يتعرض الطفل لمسبب الحساسية بصورة غير متوقعة، أحياناً من خلال طعام لم يتناوله بنفسه، وإنما نتيجة مشاركة الطعام أو حدوث تلوث تبادلي أثناء التحضير أو التقديم.

وتشير بيانات محلية إلى أن حساسية الطعام ليست مشكلة هامشية بين الأطفال في البحرين، إذ أظهرت دراسة أجريت على 1370 طفلاً من أطفال المدارس أن 15.5% أفادوا بوجود تاريخ سابق لحساسية الطعام، بينما كانت الحساسية مستمرة لدى 9.9% من إجمالي الأطفال المشاركين في الدراسة، فيما جاء البيض بوصفه أكثر مسببات الحساسية الغذائية شيوعاً في الدراسة. ومن بين الأطفال الـ213 الذين أبلغوا عن وجود تاريخ لحساسية الطعام، أفاد 15 طفلاً، أي نحو 7% منهم، بحدوث تفاعل شديد شمل التأق أو انخفاض ضغط الدم أو الصدمة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز أهمية رفع الوعي لدى الأسر والمدارس، ليس فقط حول الأطعمة المسببة للحساسية، وإنما أيضاً حول العلامات التحذيرية، والتعامل مع حالات التأق، وضرورة وجود خطة طوارئ واضحة للطفل.

وتؤكد رئيسة رابطة أطباء الحساسية البحرينية، استشارية الأنف والأذن والحنجرة، ذات التخصص الدقيق في أمراض الحساسية واضطرابات الشم والتذوق، د. زينب السلوم، أن التعامل مع حساسية الطعام يجب أن يتجاوز مرحلة «منع الطعام»، ليصل إلى بناء بيئة آمنة تساعد الطفل على ممارسة حياته الطبيعية بثقة واستقلالية.

- البيض يتصدر مسببات الحساسية في دراسة محلية:

تقول د. زينب السلوم إن حساسية الطعام من الحالات التي يراها الأطباء بشكل متكرر، مشيرة إلى أن الأرقام المحلية تؤكد أنها ليست مشكلة هامشية.

وتوضح أن دراسة أجريت على 1370 طفلًا من أطفال المدارس في البحرين أظهرت أن 15.5% أفادوا بوجود تاريخ سابق لحساسية الطعام، في حين كانت الحساسية مستمرة لدى 9.9% من إجمالي الأطفال المشاركين في الدراسة، وكان البيض أكثر مسببات الحساسية الغذائية شيوعًا في الدراسة.

وتضيف أن 15 طفلاً، يمثلون نحو 7% من الأطفال الـ213 الذين أبلغوا عن وجود تاريخ لحساسية الطعام، أفادوا بحدوث تفاعل شديد شمل التأق أو انخفاض ضغط الدم أو الصدمة، وهو ما يؤكد أهمية التعامل مع حساسية الطعام باعتبارها حالة قد تتراوح بين أعراض بسيطة وتفاعلات شديدة تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.

وتشير إلى أن قائمة الأطعمة المسببة للحساسية لا تقتصر على البيض، إذ تشمل أيضاً الحليب والمكسرات والفول السوداني والأسماك والروبيان والسمسم وغيرها.

وتؤكد أن تحديد «أخطر طعام» بصورة مطلقة ليس دقيقاً، لأن شدة التفاعل تختلف من طفل إلى آخر، إلا أن الفول السوداني والمكسرات والأسماك والمأكولات البحرية قد ترتبط بتفاعلات شديدة لدى بعض الأطفال، ولذلك يتم التعامل معها بحذر كبير، خصوصاً في البيئة المدرسية.

- من الحكة والطفح إلى التأق.. متى تصبح الحالة طارئة؟

وتوضح د. السلوم أن أعراض حساسية الطعام قد تبدأ بصورة بسيطة، مثل الحكة أو الشرى أو احمرار الجلد أو تورم الشفاه، كما قد تظهر أعراض في الجهاز الهضمي، ومنها القيء والمغص.

لكنها تشدد على ضرورة الانتباه إلى الأعراض التي قد تشير إلى انتقال الحالة إلى مرحلة أكثر خطورة، ومنها صعوبة التنفس، أو البحة وتورم الحلق، أو الصفير، أو الدوخة والإغماء، أو انخفاض ضغط الدم، إضافة إلى ظهور أعراض تصيب أكثر من جهاز في الجسم.

وتقول إن هذه العلامات قد تشير إلى التأق، وهو تفاعل تحسسي شديد يمثل حالة طارئة لا تحتمل الانتظار أو الاكتفاء بالمراقبة المنزلية.

وتحذر من الاعتقاد بأن شدة التفاعل المستقبلي يمكن التنبؤ بها بناءً على التفاعل السابق، موضحة أن الطفل قد يتعرض في مرة لتفاعل بسيط، بينما قد يكون التعرض التالي أكثر شدة.

- الإبينفرين.. العلاج الأول في حالات التأق:

وتشدد د. السلوم على أن أهم ما يجب أن يعرفه الأهل هو عدم الانتظار حتى تصبح الأعراض شديدة جدًا قبل التصرف، مبينة أن الطفل المعرض للتأق يجب أن تكون لديه خطة طوارئ واضحة، وأن يعرف الأهل والأشخاص المسؤولون عنه في المدرسة متى وكيف يستخدمون قلم الإبينفرين الذاتي.

وتؤكد أن الإبينفرين هو العلاج الأول والأساسي للتأق، ولا يُعد مضاد الحساسية أو الكورتيزون بديلًا عنه في هذه الحالة.

وتشير إلى توصيات إرشادات الأكاديمية الأوروبية للحساسية والمناعة السريرية، التي تؤكد أهمية وصف قلم الإبينفرين للأطفال المعرضين للتأق، إلى جانب تدريب الأسرة على التعرف على الأعراض واستخدام القلم بالطريقة الصحيحة.

وتقول: «وجود قلم الإبينفرين من دون معرفة طريقة استخدامه يشبه وجود طفاية حريق من دون معرفة مكانها أو كيفية استخدامها، فالتدريب مهم بقدر أهمية وجود الدواء».

- القلق لا يتوقف عند باب العيادة:

وترى د. السلوم أن التحديات التي تواجه عائلات الأطفال المصابين بحساسية الطعام لا تنتهي عند باب العيادة، إذ تعيش الأسرة حالة من الانتباه المستمر تبدأ من قراءة مكونات الأطعمة والسؤال عن طريقة تحضيرها، وتمتد إلى المطاعم والمناسبات وأعياد الميلاد والرحلات المدرسية ومشاركة الطعام بين الأطفال.

وتؤكد أن الجانب النفسي يمثل جزءاً مهماً من المشكلة، إذ قد يرتبط جزء كبير من العبء الذي تتحمله الأسر بالخوف من التعرض غير المتوقع للحساسية، وليس بالمرض نفسه فقط، كما يمكن أن تتأثر جودة حياة الطفل وأسرته، خصوصاً في الحالات الشديدة أو عند وجود أكثر من نوع من الحساسية.

وتشدد على أن الهدف ليس أن يعيش الطفل خائفاً من الطعام، وإنما أن يتعلم كيف يعيش بأمان وثقة مع حساسيته.

- المدرسة شريك أساسي في حماية الطفل:

وتؤكد د. السلوم أن المدرسة شريك أساسي في حماية الطفل المصاب بحساسية الطعام، ولا ينبغي أن تقع مسؤولية إدارة الحالة على الأهل وحدهم.

وتوضح أن من الضروري أن تكون لدى المدرسة خطة واضحة لكل طفل مصاب بحساسية الطعام، وأن يعرفها المعلمون والممرضة وموظفو المقصف، مع وجود خطة طوارئ تضمن الوصول السريع إلى الإبينفرين عند الحاجة.

كما تشدد على أهمية تدريب العاملين في المدرسة على التعرف على أعراض التأق، والتعامل الآمن مع الطعام، والانتباه إلى مختلف الأنشطة المدرسية والرحلات وأعياد الميلاد، وليس المقصف وحده.

وتشير إلى أن إرشادات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها تؤكد أهمية أن تشمل خطة المدرسة الوقاية والاستجابة للطوارئ وتدريب الموظفين وتثقيف الطلبة والأسر.

«أريد أن يكون طفلي آمناً عندما لا أكون معه»

وتقول د. السلوم إن من أكثر العبارات التي يسمعها الأطباء من أهالي الأطفال المصابين بالحساسية: «أريد أن يكون طفلي آمنًا عندما لا أكون معه».

وتضيف أن هذه العبارة تلخص جانباً أساسياً من التحدي الذي تواجهه الأسر، فالأهل يريدون أن يذهب طفلهم إلى المدرسة، وأن يشارك في الأنشطة والرحلات وأعياد الميلاد مثل بقية الأطفال، ولكن ضمن بيئة تعرف كيف تحميه إذا حدث تعرض غير متوقع.

وتوجه رسالتها إلى الأهالي قائلة: «لا تخافوا من الحساسية، بل تعلموا كيف تديرونها. احرصوا على التشخيص الصحيح، واعرفوا المسبب، واحملوا العلاج الطارئ، ودربوا الأشخاص المحيطين بالطفل على كيفية التصرف».

أما رسالتها إلى المدارس، فتؤكد أن «سلامة الطفل المصاب بالحساسية مسؤولية جماعية، وليست مسؤولية الطفل أو أسرته وحدهما».

- مشاركة الطعام.. عادة بسيطة قد تحمل خطرًا:

وتشدد د. السلوم على ضرورة توعية الأطفال بعدم مشاركة الأطعمة والمشروبات، موضحة أن هذا الإجراء ليس مبالغًا فيه، وإنما يمثل أحد أبسط إجراءات الوقاية.

وتقول إن الطفل قد لا يعرف أن قطعة صغيرة من الطعام تحتوي على مكوّن يسبب الحساسية، كما قد لا يدرك الطفل الآخر أن مشاركة قطعة من الحلوى أو الساندويتش يمكن أن تعرض زميله المصاب بالحساسية للخطر.

وترى ضرورة وجود قاعدة مدرسية واضحة تمنع مشاركة الطعام أو الشراب بين الأطفال، خصوصًا في الصفوف التي تضم طفلًا معروفًا بحساسية غذائية شديدة.

- المقصف المدرسي.. المكونات الواضحة ضرورة:

وفيما يتعلق بالمقصف المدرسي، تؤكد د. السلوم ضرورة أن تكون مكونات الأطعمة واضحة ومعلنة، مع تجنب الأطعمة مجهولة المكونات، وتطبيق إجراءات تمنع التلوث التبادلي أثناء التحضير والتقديم.

كما تشدد على أهمية تدريب العاملين في المقصف على قراءة الملصقات الغذائية والتعرف على مسببات الحساسية والتعامل معها، إلى جانب ضمان وجود خطة واضحة للتصرف في حالات التعرض العرضي.

وتشير إلى أن المكسرات تحديداً تستدعي مزيدًا من الحذر في المدارس التي تضم أطفالاً معروفاً بإصابتهم بحساسية شديدة، مع أهمية وجود إجراءات واضحة للتعامل مع أي تعرض غير متوقع.

- رابطة الحساسية.. التوعية جزء أساسي من الوقاية:

وتوضح د. السلوم أن دور رابطة أطباء الحساسية البحرينية لا يقتصر على الجانب الطبي، بل يمتد إلى رفع الوعي وبناء مجتمع أكثر أماناً للأطفال المصابين بالحساسية.

وتقول إن الرابطة تعمل على تعزيز التوعية لدى الأسر والمدارس والعاملين في القطاع الصحي، والتأكيد على أهمية التشخيص الصحيح، وتجنب مسببات الحساسية، والتعامل السريع مع التأق، ومعرفة الطريقة الصحيحة لاستخدام الإبينفرين.

كما تطمح الرابطة إلى تعزيز التعاون بين الأطباء والجهات التعليمية والمؤسسات المعنية، مؤكدة أن حساسية الطعام تحتاج إلى منظومة متكاملة، ولا يمكن التعامل معها من خلال الطبيب وحده.

- الهدف ليس «لا تأكل».. بل «كل بأمان»:

وتختتم د. السلوم بالتأكيد على أن الهدف من التوعية بحساسية الطعام ليس وضع قيود تجعل الطفل يشعر بأنه مختلف عن أقرانه، وإنما توفير البيئة التي تمكنه من ممارسة حياته بصورة طبيعية وآمنة.

وتقول: «هدفنا ليس أن نقول للطفل: لا تأكل، وإنما أن نقول له: كل بأمان».

وتؤكد أن الطفل المصاب بالحساسية يجب أن يعيش طفولته بصورة طبيعية، مع توافر الوعي والاستعداد والحماية من حوله، بدءاً من الأسرة ووصولاً إلى المدرسة والمقصف والمجتمع بأكمله.