في الخامس من أكتوبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمعلم، وهي مناسبة تتجدد فيها مشاعر التقدير والامتنان لهذه الفئة التي تحمل على عاتقها أمانة عظيمة، تتمثل في بناء الإنسان وصناعة الأجيال، وتشكيل وعيها وقيمها وتوجهاتها. فالمعلم ركن أساسي في بناء الدول التي تريد النهوض بمجتمعاتها، والتي ترتكز على العلم وأهله، وتدرك أن بناء الأوطان لا يقوم على الموارد وحدها، وإنما يقوم قبل ذلك على الإنسان المتعلم، والعقل الواعي، والكفاءة القادرة على صناعة المستقبل.
وقد أثبتت التجارب أن التعليم أحد أهم روافع التنمية، وأن الاستثمار في الإنسان هو أكثر الاستثمارات استدامة؛ فبالتعليم يرتقي الفرد، وتتطور المجتمعات، ويزداد الإنتاج، ويرتفع مستوى الرفاه، وتتقدم الدول في مؤشرات التنمية، ويسهم التعليم في تعزيز الناتج الوطني وبناء اقتصاد قائم على المعرفة ومن جميل شعر حافظ إبراهيم قوله:
العِلمُ يَبني بُيوتاً لا عِمادَ لَها
وَالجَهلُ يَهدِمُ بَيتَ العِزِّ وَالكَرَمِ
وقد مجّد الله سبحانه وتعالى أهل العلم ورفع منزلتهم، فقال جل وعلا: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) فأهل العلم هم سراج المجتمعات المنير، يهتدي بهم الناس في ظلمات الحياة، وقد جاء في الحديث الشريف: «فضلُ العالمِ على العابِدِ كفضلِي على أدناكم، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وملائكتَه وأهلَ السمواتِ والأرضِ حتى النملةَ في جُحرِها وحتى الحوتَ ليصلُّون على معلِّمِ الناسِ الخيرَ» ولهذا تفنن الشعراء قديماً وحديثاً في بيان مكانة العلم وأهله، فقال أمير الشعراء أحمد شوقي:
قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
وقال الشاعر معروف الرصافي:
فَكُلُّ بِلادٍ جادَها العِلمُ أَمطَرَتْ
رَخاءً وَفيها العِزُّ وَالخَيرُ طائِفُ
إن المعلم أساس تقدّم البلدان وارتقائها؛ فكل نجاح وتقدّم وازدهار كان التعليم ركيزته، وكان المعلم في قلب هذه المنظومة ومحورها الأساسي. فهو لا ينقل المعرفة فحسب، وإنما يُسهم في بناء شخصية الطالب، وتكوين وعيه، وغرس القيم في نفسه، وتعزيز انتمائه لوطنه ومجتمعه، إن المعلم ليس موظفاً يؤدي مهمة محددة وينصرف، بل هو شريك أساسي في صناعة مستقبل الوطن، وأحد أهم أعمدته التي يقوم عليها بناء الإنسان وكل نجاح أو تقدم تحققه الأمم كان التعليم والمعلم في صميمه وركنه الأساس.
ولعلنا جميعاً نتفق على حقيقة لا تحتاج إلى كثير من التأمل: إن رب الأسرة، مهما كان عدد أبنائه، قليلاً كان أم كثيراً، يجد في رعايتهم وتوجيههم ومتابعة شؤونهم اليومية مشقة وتحديات لا تنتهي؛ فما بالك بالمعلم الذي يقف يومياً أمام صفوف تضم أعداداً كبيرة من الطلبة، ويتحمّل مسؤولية تعليمهم، ومتابعة مستوياتهم، وتقويم سلوكهم، ومراعاة الفروق الفردية بينهم، والتعامل مع احتياجاتهم النفسية والتربوية والتعليمية المختلفة. إن المعلم لا يتعامل مع أرقام أو أسماء في كشف حضور، وإنما يتعامل مع أبناء وبنات، لكل منهم شخصيته وظروفه وقدراته واحتياجاته، ويحاول أن يصل إلى كل واحد منهم، وأن يزرع فيه العلم والقيمة والسلوك والانتماء. وهذه مسؤولية إنسانية وتربوية عظيمة، لا يمكن أن تؤدى بكفاءة ما لم يحظَ المعلم بالدعم والتقدير والوقت والبيئة المهنية التي تعينه على أداء رسالته، ومن الإنصاف أن نسأل أنفسنا: إذا كان رب الأسرة قد يجد مشقة في متابعة أبنائه وتوجيههم، فكيف بمن يحمل مسؤولية عشرات الطلبة، وربما مئاتهم على مدار العام، ويُطلب منه في الوقت ذاته أن يكون معلماً ومربياً وموجهاً وقدوة.
إن إدراك هذه الحقيقة يجب أن يجعلنا أكثر تقديراً للمعلم، وأكثر حرصاً على ألا نثقل كاهله بأعباء تحول بينه وبين رسالته الأساسية، وأن نسانده بكل ما يمكن حتى يظل قادراً على العطاء وبناء الأجيال، وعليه فإن الاحتفال بيوم المعلم ينبغي ألا يقتصر على الكلمات والفعاليات والمظاهر الاحتفالية، على أهميتها، وإنما يجب أن يكون مناسبة حقيقية لإعادة النظر في واقع هذه المهنة، وتقديم مختلف أنواع الدعم المادي والمعنوي للمعلم، وتوفير البيئة المهنية المحفزة، وإتاحة فرص التطوير المستمر في مساره الوظيفي، بما يحفظ له مكانته ويعينه على أداء رسالته، فمهمة المعلم اليوم لم تعد مهمة سهلة؛ إذ يعيش أبناؤنا في عالم مفتوح، تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية تفتح أمامهم أبواباً واسعة من المعرفة، فيها الغث والسمين، والحقيقة والخرافة، والصواب والخطأ، وقد أزاحت هذه الوسائل الستار عن عالم واسع بلا حدود، الأمر الذي جعل قيمنا الإسلامية والعربية، وأخلاقنا، وهويتنا الوطنية، أمام تحديات حقيقية تفرض علينا جميعاً مزيداً من الوعي والمسؤولية.
وهنا تتجلى المسؤولية الحقيقية، فدور المعلم والمؤسسة التعليمية باعتبارهما حائط صد مهماً في مواجهة هذه التحديات، وترسيخ المفاهيم الصحيحة، وتعزيز القيم، وحماية الهوية الوطنية، وترسيخ الاعتدال والوسطية، بالتعاون والتكامل مع الأسرة والمسجد والإعلام ومختلف مؤسسات المجتمع والدولة. إن بناء الأجيال ليس مسؤولية المدرسة والمعلم وحدهما، وإنما هو مسؤولية مجتمعية متكاملة؛ فالأسرة شريك أساسي، والمؤسسات التعليمية شريك، والإعلام شريك، والمؤسسات الدينية والثقافية والمجتمعية شريك، وكل جهة لها دورها في صناعة الوعي وبناء الإنسان وتعزيز الانتماء.
ويبقى الرهان، بعد الله سبحانه وتعالى، على الكفاءات الوطنية التي تحمل رايات الوطن وتسعى إلى رفعته وازدهاره؛ فهي العمود الفقري والرصيد الاستراتيجي الحقيقي لأي نهضة مستدامة، ولاسيما في قطاع التعليم وبناء الأجيال. فالكفاءة الوطنية أقدر على فهم واقع المجتمع واحتياجاته وخصوصيته، وأكثر قدرة على التفاعل مع متغيراته، وترسيخ قيمه وهويته، متى ما وجدت البيئة المناسبة التي تمكنها من العطاء والإبداع، ولعل من أهم ما ينبغي أن تتجه إليه المؤسسات التعليمية اليوم هو الانتقال بالمعلم من مفهوم الموظف المنفذ إلى مفهوم المعلم المهني القائد؛ الذي يشارك في تطوير المدرسة، وصناعة المبادرات، واقتراح الحلول، والاستفادة من خبرته في تطوير العملية التعليمية، وصياغة الممارسات التي تسهم في تحسين الأداء.
ومن أخطر ما تواجهه المؤسسات في العالم اليوم هجرة الكفاءات أو فقدانها وهي لا تزال داخل المؤسسة؛ فالكفاءة حين تتعرض للتهميش أو الظلم أو غياب التقدير، أو تجد أمامها تضييقاً في مساحات العطاء، أو تصبح عرضة لترصد الزلات وتصيد الأخطاء بدل تقدير الإنجازات، قد تبدأ تدريجياً في فقدان الحافز والانكفاء عن المشاركة والمبادرة، وقد يصل الأمر، في بعض الحالات، إلى الإقصاء أو التزهيد في العلم والتطوير والطموح، حتى تنتهي المسيرة بالتقاعد المبكر، بينما لا تزال لدى صاحبها القدرة والخبرة والاستعداد للعطاء وهذه خسارة لا يتحملها الفرد وحده، وإنما تتحمل المؤسسة والوطن جانباً منها؛ لأن الكفاءة التي أفنت سنوات من عمرها في العمل واكتسبت خبرة تراكمية ومعرفة مؤسسية لا يمكن تعويضها بسهولة، ولذلك فإن الدول والمؤسسات التي تنشد التقدم لا تكتفي باستقطاب الكفاءات، بل تحرص قبل ذلك على المحافظة عليها واستبقائها وتمكينها، وتدرك أن بيئة العمل العادلة والمحفزة ليست امتيازاً للكفاءة، وإنما ضرورة لسلامة المؤسسة واستدامة عطائها.
فالقرار السليم لا يمكن أن يُبنى على معلومات غير دقيقة، أو رواية منقوصة، أو انطباعات لم تخضع للتحقق والتثبت، والقيادة التي تريد النهوض بمؤسساتها تحتاج إلى منهج يقوم على التحقق قبل الحكم، والاستماع قبل القرار، والعدل قبل التقييم؛ فاستدعاء المعني والاستماع إليه ليس ترفاً إدارياً، وإنما ممارسة قيادية تعزز العدالة وتمنح القرار قدراً أكبر من الموضوعية والدقة، كما أن فتح قنوات التواصل المباشر مع العاملين، والاستماع إلى أصحاب الخبرة والكفاءة، يمثل حصناً يحول دون وصول المعلومات المبتورة أو غير الدقيقة إلى صُنّاع القرار.
والمعلم الذي نطالبه بالإبداع والتجديد والتطوير يحتاج هو الآخر إلى مؤسسة تؤمن به، وتثق بقدراته، وتستمع إلى صوته، وتمنحه الفرصة والمساحة التي تمكنه من تقديم أفضل ما لديه. كما أن الكفاءة الوطنية لا تحتاج إلى الإشادة بها في المناسبات فحسب، وإنما تحتاج إلى أن تجد فرصتها الحقيقية في التقدّم وتحمّل المسؤولية، وأن يكون معيار الاختيار قائماً على الكفاءة والخبرة والإنجاز والقدرة على التطوير. فحين يشعر صاحب الكفاءة بأن جهده مقدّر، فإنه يعطي أكثر، وحين يرى أن أبواب التطور مفتوحة أمامه، فإنه يصبح أكثر ارتباطاً بمؤسسته ووطنه وليس أخطر على المؤسسات من أن تكون الكفاءة موجودة بين جدرانها، ثم لا تجد المجال الذي تستثمر فيه خبرتها؛ فالكفاءة التي لا تجد التقدير أو التمكين قد تخفت قدرتها على العطاء، بينما المؤسسة الناجحة هي التي تعرف قيمة عقولها، وتحافظ على أصحاب الخبرة فيها، وتستثمر طاقاتهم قبل أن تبحث عن الكفاءة خارجها.
إن تكريم المعلم الحقيقي لا يكون في يوم واحد من العام، ولا يقتصر على كلمات الثناء والشهادات التقديرية، وإنما يكون بمنحه الثقة، وتوفير بيئة العمل المحفزة، وإتاحة فرص التطوير، والاستماع إلى آرائه، والاستفادة من خبرته، وتخفيف الأعباء التي تستنزف طاقته وتبعده عن جوهر مهمته التعليمية والتربوية.
وخلاصة القول: إن يوم المعلم لا نحتاج فيه إلى كلمات أكثر بقدر ما نحتاج إلى أفعال أكثر؛ فتكريم المعلم الحقيقي هو أن نحفظ مكانته، ونستثمر في تطويره، ونخفف عنه ما يعيق أداء رسالته، ونفتح أمامه أبواب التميز والعطاء. وتكريم الكفاءة الوطنية لا يكون برفع الشعارات، وإنما بإعطائها الفرصة والثقة والمسؤولية. إن رعاية الكفاءات الوطنية ليست ترفاً إدارياً، ولا مطلباً لفئة دون أخرى، وإنما هي استثمار مباشر في مستقبل الوطن؛ فالأوطان التي تُحسن اكتشاف كفاءاتها وتمكينها والمحافظة عليها هي الأقدر على صناعة مستقبلها. ولهذا فإن رسالتنا في يوم المعلم يجب أن تتجاوز الاحتفال بالمناسبة إلى ترسيخ ثقافة وطنية دائمة: نُقدّر الكفاءة، ونرعى المتميز، ونُمكّن القادر، ونفتح الأبواب أمام صاحب المبادرة، ونضع الشخص المناسب في المكان الذي يستطيع أن يخدم فيه وطنه بأفضل ما لديه، فالمعلم كفاءة وطنية، والكفاءة الوطنية ثروة وطنية، ورعاية هذه الثروة قولاً وفعلاً هي إحدى أهم صور الوفاء للوطن ومستقبله.
كل عام ومعلمونا ومعلماتنا بخير، وكل عام وكفاءاتنا الوطنية محل تقدير ورعاية وتمكين؛ فالأوطان لا تنهض إلا بأبنائها، ولا تستدام نهضتها إلا حين تجد الكفاءة الوطنية من يؤمن بها، ويرعاها، ويفتح أمامها الطريق لتخدم وطنها قولاً وفعلاً، وكل عام ووزارة التربية والتعليم وجميع منتسبيها من قيادات ومسؤولين وإداريين ومعلمين ومعلمات وموظفين بخير وعطاء، تقديراً لجهودهم المتواصلة في خدمة التعليم وخدمة الوطن وأبنائه، وعلى رأسهم سعادة الدكتور محمد بن مبارك جمعة، وزير التربية والتعليم، لما يبذله من جهود ومبادرات في تطوير مسيرة التعليم والارتقاء بمخرجاته، سائلين الله تعالى للجميع دوام التوفيق والسداد، وأن يبارك جهودهم في خدمة البلاد والعباد.