أكد الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة وزير المالية والاقتصاد الوطني أن الذكاء الاصطناعي والمدفوعات والهوية الرقمية والعملات المستقرة لم تعد قصصًا منفصلة، بل أصبحت خيوطًا متداخلة من النسيج نفسه، بما يعكس ما يشهده القطاع المالي العالمي من تحولات متسارعة نحو عصرٍ يعتمد على الذكاء في رسم ملامح التمويل المقبلة.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يحمل وعدًا استثنائيًا للقطاع المالي، بما يستوجب توظيفه بأمان وبمساءلة مدمجة فيه، مؤكدًا أن الثقة هي العملة الحقيقية للتمويل الرقمي، وأن الابتكار والنزاهة يسيران جنبًا إلى جنب في بناء هذه الثقة وترسيخها.

جاء ذلك لدى إلقاء الكلمة الرئيسية في منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026 “FinTech Forward”، حيث استهل كلمته بالترحيب بالمشاركين في المنتدى، ونقل إليهم تحيات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وتحيات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، وتمنياتهما بنجاح المنتدى وأعماله.

وأوضح أن القطاع المالي في العالم اعتمد في السابق على الورق لتسجيل جميع معاملاته، ثم اعتمد على شبكات بيانات ضخمة ومعقدة، أما اليوم فهو يعتمد على الذكاء في توظيف المعلومات ومن سيصمم هذا الذكاء سيرسم ملامح العصر المقبل من التمويل، داعيًا إلى إحسان تصميمه ليكون جديرًا بالثقة ومترابطًا، وبما يجعل المنظومة أقدر على المرونة والصمود أمام التحديات.

ولفت إلى أن منتدى هذا العام يشهد مشاركة عدد من المصارف والمؤسسات المالية وشركات التقنية يفوق ما شهدته أي نسخة سابقة من المنتدى، بمشاركة جهات تنظيمية ومصارف عالمية ومؤسسات محلية وشركات خدمات مهنية ومزودي خدمات الدفع الرقمي المبتكرة، مشيرًا إلى أن الحضور في المنتدى لا يقتصر على المشاركة، بل يعكس قناعة راسخة بمستقبل هذا القطاع وما يحمله من فرص واعدة.

وأكد أن مؤسسات القطاعين العام والخاص في مملكة البحرين أرست علاقة عمل متكاملة وسلسة، معربًا عن الشكر والتقدير لكل من دعم هذا المنتدى وأسهم في نجاحه.

وأوضح وزير المالية والاقتصاد الوطني أن موضوع منتدى هذا العام، “التمويل في عصر البنية التحتية الذكية”، يدعو إلى اعتماد نظرة شمولية لمستقبل القطاع المالي، مبينًا أن السؤال المطروح لم يعد: ما الممكن؟ بل: ماذا سنختار أن نبني؟

وأشار إلى أهمية أن يكون التنظيم واضحًا ومتناسبًا ومنفتحًا على التغيير، ومستعدًا للتجربة قبل أن يفرض، ومستعدًا للتعلم جنبًا إلى جنب مع القطاع، بحيث ينظم المخاطر لا التقنية ذاتها، مؤكدًا أن أفضل أنواع التنظيم هو ما كان مدرجًا للإقلاع لا عائقًا في الطريق، بما يمكّن الأفكار الجيدة من التحول إلى استثمارات ملموسة قادرة على النمو والانطلاق.

وبيّن أن القواعد شديدة الصرامة تقضي على الأفكار الجيدة قبل أن تتشكّل، في حين أن القواعد شديدة التساهل تعرض للخطر الثقة ذاتها التي تقوم عليها الأفكار التجارية الجيدة، مشددًا على ضرورة تحقيق التوازن بين الابتكار والنزاهة، بما يضمن توسيع نطاق الحلول المالية الحديثة بصورة مسؤولة.

وأضاف أن العديد من الدول تطرح الأسئلة ذاتها حول كيفية جعل المدفوعات العابرة للحدود أسرع وأقل كلفة وأكثر شفافية، وكيفية وضع حوكمة فعالة للذكاء الاصطناعي بحيث يكسب ثقة الجمهور، وكيفية إدخال مزيد من الناس إلى المنظومة المالية.

ودعا إلى التأمل في التقدم المحرز، موضحًا أنه قبل 15 عامًا كان أكثر قليلًا من نصف البالغين في العالم يملكون حسابًا ماليًا، فيما يقترب هذا الرقم اليوم من 80%، ومع ذلك ما زال 1.3 مليار بالغ بلا أي حساب مالي، مع أن أكثر من 900 مليون منهم يملكون بالفعل هاتفًا محمولًا، مؤكدًا أن التقنية بين أيديهم، أما إمكانية الوصول فليست كذلك.

وقال إن أحدًا لا يملك كل الإجابات أو الحلول لهذه القضايا، وإن القيادة تكمن في جمع من يعملون عليها ليعملوا معًا وينموا هذه الصناعة بمسؤولية، لافتًا إلى أن مملكة البحرين دأبت على الانفتاح على العالم، وتضع معايير يمكن للآخرين البناء عليها والتواصل معها، مضيفًا أن الأفكار تسافر أبعد من الحدود، وكذلك ينبغي للطموح.

وأوضح وزير المالية والاقتصاد الوطني أن المنتدى ينعقد في وقت اختُبرت فيه الاقتصادات والأنظمة المالية، وقد واجه القطاع هذا الاختبار بعزيمة ثابتة، مؤكدًا أن المرونة والصمود لا يُكتشفان في الأزمة، بل يجب أن يُبنيا قبلها، ولا يُبنيان بتراكم الاحتياطيات وحدها.

وبيّن أن رأس المال والاحتياطيات مهمان بالفعل، إلا أنهما جزء فحسب من منظومة قادرة على المرونة والصمود، مشيرًا إلى أن المرونة والصمود المستدامين يجب أن يُصمما في كل جانب من جوانب النظام المالي، من بنية تحتية تواصل العمل، وإدارة للمخاطر وحماية من الاحتيال تستشرفان المستقبل، إلى المؤسسات والثقة التي تمسك بكل ذلك معًا.

ودعا إلى أن تكون الغاية بناء القوة والاستعداد قبل وقوع الأزمات، لا انتظار حدوثها لإعادة البناء بقوة أكبر، مؤكدًا أهمية تصميم يجعل المنظومة أكثر قدرة على المرونة والصمود أمام التحديات.

وأكد الوزير أن منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية لم يكن يومًا مجرد حوار، مشيرًا إلى أنه في العام الماضي جرى توقيع 38 مذكرة تفاهم واتفاقية، و38 شراكة، وخلف كل واحدة منها مصافحة بدأت في قاعة كهذه القاعة، فيما سيُعلن هذا العام عن أكثر من 60 شراكة جديدة، بما يعكس دور المنتدى في تحويل الحوارات والأفكار إلى شراكات ومبادرات ملموسة.

واختتم كلمته بالتأكيد على أن أفضل فصول التمويل لم تُكتب بعد، وأنه مع هذا الجمع من المبتكرين والمبدعين والجهات التنظيمية، ستكون الفصول المقبلة بلا شك الأكثر إشراقًا، قائلاً: “فلنكتبها بجرأة، فلنكتبها معًا، فلنكتبها لتدوم. تصميم يجعل المنظومة أكثر قدرة على المرونة والصمود أمام التحديات”.

هذا، وقام وزير المالية والاقتصاد الوطني بجولة في أرجاء المعرض المصاحب للمنتدى، الذي تشارك فيه نحو 20 جهة عارضة من قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية والتقنية والجهات الحكومية، حيث تستعرض الجهات المشاركة حلولًا مبتكرة ترسم ملامح مستقبل التمويل، وتتيح للحضور التفاعل المباشر مع الشركات والأفكار التي تقود التغيير في هذا القطاع.