رائد البصري

يبدأ الموظف يومه بفتح بريده الإلكتروني ومتابعة مهامه، ثم يتفقد رسالة على «واتساب»، ومنها ينتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي أو مقطع فيديو قصير، قبل أن يعود إلى عمله. قد تبدو هذه الدقائق عابرة، لكنها حين تتكرر يومياً يمكن أن تتحول إلى ساعات مهدرة.

هذا السلوك يُعرف بـ«التسكع الإلكتروني» (Cyberloafing)، ويقصد به استخدام الموظف الإنترنت أو الأجهزة الإلكترونية أثناء ساعات العمل لأغراض شخصية، مثل تصفح مواقع التواصل، ومشاهدة المقاطع، والتسوق الإلكتروني، أو المراسلة مع الأصدقاء.

وتتعدد أسباب هذه الظاهرة؛ فقد يكون الملل الناتج عن المهام الروتينية، أو الإرهاق والحاجة إلى استراحة قصيرة، أو غياب السياسات الواضحة التي تحدد حدود الاستخدام الشخصي للإنترنت. كما قد يرتبط أحياناً بالشعور بعدم العدالة الوظيفية أو ضعف الارتباط بالعمل.

ولا تتوقف المشكلة عند هدر الوقت، فالتنقل المستمر بين العمل والهاتف يؤدي إلى تشتت الانتباه وانخفاض الإنتاجية، كما قد يعرّض أنظمة المؤسسة لمخاطر أمنية عند زيارة مواقع غير موثوقة. وقد يشعر الموظفون الملتزمون بالاستياء عندما يتحملون أعباء زملائهم الأقل التزاماً.

ومع ذلك، ليس كل استخدام شخصي للإنترنت أثناء العمل سلبياً. فالاستراحة الرقمية القصيرة والمعتدلة قد تساعد على تخفيف التوتر واستعادة التركيز، خصوصاً في الأعمال الذهنية. لذلك، تكمن المشكلة في الإفراط، لا في الاستخدام المحدود.

والحل لا يكون بالمنع والمراقبة فقط، بل بوضع سياسة واضحة وشفافة، وتقييم الموظف بناءً على جودة النتائج، وتنويع المهام، وتنظيم فترات راحة مناسبة. كما أن على الموظف مسؤولية شخصية تتمثل في إيقاف الإشعارات غير الضرورية، وتحديد أوقات لتفقد هاتفه، والاستفادة من تقنية «بومودورو» التي تقوم على 25 دقيقة من التركيز تليها 5 دقائق للراحة.

في النهاية، التسكع الإلكتروني ليس مجرد مشكلة تقنية، بل سلوك يكشف أحياناً عن طبيعة بيئة العمل نفسها. وعندما تجتمع العدالة والتحفيز والوضوح مع الوعي الذاتي، يمكن أن تتحول التقنية من مصدر للتشتت إلى وسيلة حقيقية للإنجاز.