ليست أصعب لحظة في مواجهة سرطان الثدي هي لحظة الألم، وإنما اللحظة التي تسمع فيها المرأة التشخيص للمرة الأولى. كلمة واحدة كفيلة بأن تسحب من تحت قدميها شعور الأمان، وتفتح أمامها باباً واسعاً من الأسئلة والخوف: ماذا سيحدث غداً؟ هل سأشفى؟ هل سأبقى إلى جوار أبنائي؟ وهل سأعود كما كنت؟
هكذا تبدأ الحكاية بالنسبة إلى كثير من النساء؛ امرأة كانت تخطط ليومها، تهتم بأسرتها، وتؤجل نفسها دائماً إلى آخر القائمة، ثم تجد فجأة أن عليها أن تجعل صحتها أولوية.
تجربة إحدى النساء مع سرطان الثدي تكشف جانباً لا يظهر في التقارير الطبية. فالمرض ليس مجرد ورم يحتاج إلى علاج، وإنما تجربة إنسانية تهز المرأة من الداخل. إنها تحارب في المستشفى، ثم تعود إلى منزلها لتخفي خوفها عن أبنائها، وتبتسم أمام أسرتها حتى لا يشعروا بأنها منهكة.
كانت جلسات العلاج اختباراً قاسياً. تعب جسدي، خوف من القادم، وانتظار طويل لنتائج الفحوص. ثم يأتي تساقط الشعر ليضيف إلى المعركة بعداً نفسياً آخر. تنظر المرأة إلى المرآة فلا ترى صورتها المعتادة، فتسأل نفسها: هل تغيرت؟ هل مازلت جميلة؟ هل ما زلت أنا؟
لكن المرض، paradoxically، قد يعلّم الإنسان ما لم تعلّمه سنوات العمر. فقد أدركت أن الأنوثة لا يسقطها تساقط الشعر، ولا تنتقص منها ندبة، ولا يختصرها شكل الجسد. قيمة المرأة أكبر من مظهرها، وقوتها الحقيقية تظهر عندما تواجه ما يخيفها ولا تستسلم له.
وهنا يأتي دور الأسرة.. المريضة لا تحتاج إلى نظرات الشفقة، ولا إلى عبارات تخيفها أكثر، وإنما تحتاج إلى من يقف إلى جوارها باعتبارها إنسانة قادرة على المقاومة. تحتاج إلى زوج يطمئنها، وأبناء يمنحونها سبباً للابتسام، وصديقة تعرف متى تتحدث ومتى تكتفي بأن تمسك يدها.
وفي رأيي، فإن المجتمع مطالب أيضاً بتغيير نظرته إلى السرطان. فالمريضة ليست «حالة مرضية» ولا يجب أن تتحول إلى موضوع للشفقة. إنها امرأة تخوض معركة، ومن حقها أن تحصل على الدعم والاحترام، وأن تواصل حياتها دون أن تشعر بأن المرض وضعها خارج المجتمع.
والرسالة الأهم التي تفرضها هذه التجربة هي الكشف المبكر. كم من امرأة تؤجل الفحص خوفاً من أن تعرف الحقيقة؟ وكم من امرأة تفسر علامة مقلقة بأنها أمر عابر؟ الخوف من التشخيص لا يلغي المرض، لكن اكتشافه مبكراً قد يصنع فارقاً مهماً في رحلة العلاج.
لقد خرجت تلك المرأة من تجربتها أكثر تمسكاً بالحياة. تعلمت ألا تؤجل صحتها، وألا تعتبر نفسها أقل أهمية من كل من حولها، وأن بعض الأشياء التي كنا نظنها نهاية العالم تصبح، بعد عبورها، مجرد فصل مؤلم انتهى.
سرطان الثدي قد يختبر جسد المرأة، لكنه لا يجب أن يهزم روحها.
ولكل امرأة تقف اليوم أمام المرآة وتخشى ما ينتظرها، أقول: لا تنظري إلى نفسك باعتبارك مريضة، بل باعتبارك امرأة تخوض معركة. لا تسمحي للخوف أن يسرق منك يومك، ولا للمرض أن يختصر حياتك في تشخيص.
فربما يترك العلاج أثرًا على الجسد، لكن أقسى ما يمكن أن يفعله المرض هو أن يقنع الإنسان بأنه فقد قدرته على الحياة.
والمرأة التي تواجه السرطان، وتبكي ثم تمسح دموعها، وتعود إلى العلاج في اليوم التالي، لا تكون ضعيفة.. إنها تمارس واحدة من أشجع صور القوة الإنسانية.