عبدالله صويلح

- اعتاد الإنسان أن يحسب نفقاته، ويراجع مصروفاته، ويبحث عن أفضل الطرق لتوفير المال، لكنه قد يغفل عن فواتير أخرى لا تظهر في حساباته اليومية، ولا يستطيع تسديدها بما يملك من أموال. فالحياة لا تقتصر خسائرها على ما نفقده من ممتلكات، بل تمتد إلى أوقات تمضي، وعلاقات تتغير، ومواقف تترك في النفس أثراً لا يمحوه الزمن بسهولة. وقد يعيش الإنسان سنوات دون أن يدرك أنه يدفع ثمناً لبعض اختياراته، حتى تأتي لحظة تكشف له قيمة ما أهمله أو فرّط فيه.

- ومن أكثر الفواتير التي قد يدفعها الإنسان ثمن كلماته وتصرفاته، فكلمة تُقال في لحظة غضب قد تترك جرحاً في نفس قريب، واعتذار يتأخر قد يزيد المسافة بين صديقين، ووعد لا يُنفذ قد يهز ثقة بُنيت عبر سنوات. وفي المقابل، قد تكون كلمة طيبة كافية لتخفيف معاناة شخص، أو موقف صادق سبباً في استعادة علاقة أو ترميم ثقة. فالكلمات لا تنتهي بمجرد خروجها من أفواهنا، بل قد تستمر آثارها في نفوس الآخرين، وتصبح جزءاً من ذاكرتهم، سواء قصدنا ذلك أم لم نقصد.

- وهناك فاتورة أخرى لا نشعر بقيمتها إلا بعد مرور الوقت، وهي فاتورة الانشغال المستمر عن الأشخاص الذين يشكلون جزءاً أساسياً من حياتنا. فقد ينشغل الأب بتوفير احتياجات أسرته حتى يقل حضوره بينهم، وقد يؤجل الإنسان زيارة والديه أو السؤال عن صديق بحجة ضيق الوقت، معتقداً أن الفرصة ستبقى متاحة دائماً. لكن الأيام تمضي، وتتغير الظروف، وقد تأتي لحظة نتمنى فيها استعادة ساعة عادية عشناها مع من نحب. عندها ندرك أن بعض الأوقات لم تكن مجرد تفاصيل عابرة، بل كانت فرصاً ثمينة لم نعرف قيمتها في حينها.

- ولا تقتصر هذه الفواتير على العلاقات، بل تشمل أيضاً ما يتحمله الإنسان من أعباء حين يحاول إرضاء الجميع، أو يؤجل قراراً ضرورياً خوفاً من التغيير، أو يستمر في طريق لا يمنحه الراحة لمجرد أنه اعتاد السير فيه. فقد يدفع من راحته النفسية ووقته وقدرته على الاستمتاع بالحياة ثمناً لا يظهر للآخرين. وليس المقصود أن يضع الإنسان نفسه في مواجهة من حوله، أو أن يتخلى عن مسؤولياته، وإنما أن يدرك أن التوازن ضرورة، وأن الاهتمام بالآخرين لا ينبغي أن يتحول إلى إهمال دائم لذاته واحتياجاته.

- وفي نهاية المطاف، لا يستطيع الإنسان أن يعيش دون أخطاء، أو أن يحمي نفسه من جميع الخسائر، لكن بإمكانه أن يكون أكثر وعياً بما يختار وما يؤجل وما يقوله للآخرين. فبعض الفواتير يمكن تجنبها بكلمة محسوبة، أو زيارة لا تؤجل، أو اعتذار في وقته، أو قرار شجاع يُتخذ قبل أن تتراكم تبعات التردد. ولعل أهم ما نتعلمه من الحياة أن القيمة الحقيقية لا تكمن دائماً فيما نجمعه، بل فيما نحافظ عليه من محبة وثقة ووقت وطمأنينة. فهناك أشياء نستطيع شراء بدائل لها بالمال، وأشياء أخرى إذا فقدناها اكتشفنا متأخرين أن ثمنها أكبر من أن يُدفع.