أصدرت المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية "ميثاق أسرتنا 2026"، الذي يتضمّن 43 مبدأ وتوجيهاً أسرياً، انبثقت من الحوارات الجماعية التفاعلية التي شهدتها النسخة الأولى من ملتقى "أسرتنا 2026"، الذي نظّمته المؤسسة مؤخراً، تحت شعار "نلتقي لنطمئن"، بمشاركة 250 مشاركاً ومشاركة من المختصين والمهتمين بالشأن الأسري، وممثلي الجهات الحكومية والأهلية، إلى جانب نخبة من المحاضرين وأصحاب التجارب الإنسانية الملهمة من مملكة البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي.
ويقدّم الميثاق مجموعة من المبادئ والممارسات العملية التي تسهم في تعزيز استقرار الأسرة وتماسكها، من أبرزها تخصيص أوقات عائلية خالية من الهواتف والأجهزة الإلكترونية، وتعزيز الحوار الآمن مع الأبناء، والإنصات إلى مشاعرهم دون إصدار الأحكام، وترسيخ التفاهم بين الزوجين، وتقاسم المسؤوليات المنزلية، وتوفير الدعم النفسي لأفراد الأسرة عند مواجهة التحديات والظروف الصعبة.
وجاء إصدار الميثاق ثمرة لمشاركة الحضور في حوارات جماعية ناقشت سؤالاً محورياً: "ماذا تحتاج أسرتنا لتطمئن؟"، من خلال خمسة محاور رئيسية تناولت الهوية والقيم في عالم متغير، والحوار والتواصل داخل الأسرة، والأسرة في العالم الرقمي، والدعم النفسي ومواجهة التحديات، والترابط والطمأنينة الأسرية، بهدف الوصول إلى مبادئ مشتركة تعكس رؤى المشاركين وتطلعاتهم نحو بناء أسر أكثر وعياً وترابطاً وطمأنينة.
وأكد الميثاق، في محوره الأول، أهمية التمسّك بالدين الإسلامي وتعاليمه السمحة، وترسيخ القيم الأخلاقية والسلوكيات الحميدة لدى الأبناء، وتعزيز الهوية الوطنية والانتماء للمجتمع، والاعتزاز باللغة العربية والتراث والعادات والتقاليد الأصيلة، مع تحقيق التوازن بين المحافظة على الثوابت والانفتاح الواعي على التطور والمتغيرات.
وشدّد على أهمية التربية بالقدوة الحسنة، من خلال التزام الوالدين بالقيم والمبادئ التي يسعيان إلى غرسها في أبنائهما، وتقديم الأفعال على الأقوال، إلى جانب تشجيع الأبناء على التعلم واكتساب المعرفة والمهارات، وغرس المسؤولية والانضباط السلوكي لديهم، وإشراكهم في التخطيط واتخاذ القرارات الأسرية، بما ينمّي ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التعامل مع تحديات العصر.
كما دعا إلى تعزيز قيم المحبة والاحترام والتسامح والتعاون والإيثار، وتخصيص أوقات للتواصل والحوار الأسري، بما يسهم في نقل القيم الأصيلة إلى الأجيال الجديدة بأساليب تتناسب مع متغيرات الحياة.
وفي محور الحوار والتواصل داخل الأسرة، ركز الميثاق على أهمية ترسيخ ثقافة الإنصات الفعّال، والاستماع إلى أفراد الأسرة بهدف فهم مشاعرهم ووجهات نظرهم، لا لمجرد الرد عليهم، مع تجنّب المقاطعة وإصدار الأحكام المسبقة، واحترام صمت الآخرين وحاجتهم إلى مساحة للتعبير.
ودعا إلى توفير بيئة أسرية آمنة نفسياً، تتيح لجميع أفراد الأسرة، بمن فيهم الأطفال، التعبير بحرية ووضوح عن آرائهم ومشاعرهم واحتياجاتهم، دون خوف من النقد أو السخرية أو التجريح، مع احترام اختلاف الشخصيات والآراء والفروق الفردية، والابتعاد عن المقارنة والتعصب والتحيز.
وأكد الميثاق أهمية اختيار الوقت والأسلوب المناسبين لمناقشة الخلافات الأسرية، وضبط الانفعالات وإدارة الغضب، واعتماد الحوار الهادئ والبنّاء بدلاً من المواجهة والانفعال، إلى جانب تعزيز التشاور في اتخاذ القرارات الأسرية، ومراعاة الاختلافات بين الأجيال، وتطوير أساليب التواصل والتوجيه بما يتناسب مع المراحل العمرية المختلفة.
وتضمن المحور الثالث مجموعة من التوجيهات العملية للتعامل مع العالم الرقمي، في مقدمتها تنظيم أوقات استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وتخصيص أوقات عائلية خالية من الشاشات، خصوصًا أثناء الوجبات واللقاءات الأسرية، بما يمنح أفراد الأسرة فرصة أكبر للحوار المباشر والتواصل العاطفي.
ودعا الميثاق إلى وضع اتفاق أسري واضح، بمشاركة الوالدين والأبناء، يحدد ضوابط استخدام الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، ويراعي احتياجات أفراد الأسرة ومسؤولياتهم، مع تعزيز الرقابة الأسرية الإيجابية القائمة على الثقة والمتابعة والتوجيه والحوار، بدلاً من الممارسات التي تضعف الثقة بين الآباء والأبناء.
كما شدد على أهمية أن يكون الوالدان قدوة حسنة في الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا قبل مطالبة الأبناء بذلك، وتشجيع الأنشطة والهوايات والزيارات العائلية المشتركة، واستثمار الوسائل الرقمية في التعلم واكتساب المهارات وتعزيز صلة الرحم وتبادل المعرفة بين الأجيال، مع تنمية قدرة الأبناء على التمييز بين المحتوى الرقمي النافع والضار، والمحافظة على الهوية والقيم الأسرية.
وفي محور الدعم النفسي ومواجهة التحديات، أكد الميثاق أهمية التعامل مع أفراد الأسرة الذين يمرون بضغوط نفسية أو ظروف صعبة بروح من المحبة والرحمة والتعاطف والتقبّل غير المشروط، بعيداً عن اللوم والانتقاد أو التقليل من معاناتهم.
وشدد على ضرورة الإنصات إلى مشاعر الفرد وتفهّم ظروفه، وتوفير الأمان النفسي والطمأنينة، واحترام خصوصيته واستقلاليته، ومنحه المساحة والوقت الكافيين للتعافي، دون استعجاله أو فرض الحلول عليه.
كما دعا إلى تعزيز التكاتف بين أفراد الأسرة عند مواجهة الأزمات، وتقديم المساندة النفسية والمعنوية والعملية، والتعاون في إيجاد الحلول المناسبة، مع التحلي بالصبر والمرونة وعدم التسرع في اتخاذ القرارات خلال الظروف الصعبة.
وأكد الميثاق أهمية ترسيخ الإيمان بالله تعالى والتوكل عليه وبث الأمل والتفاؤل، إلى جانب رفع مستوى الوعي الأسري بالصحة النفسية، وتشجيع طلب المساعدة والاستعانة بالمختصين والجهات المعنية عند الحاجة، بما يسهم في التعامل السليم مع التحديات النفسية والأسرية.
وركز المحور الخامس على مجموعة من الممارسات اليومية التي تجعل البيت مساحة أكثر قرباً وترابطاً وطمأنينة، من أبرزها تخصيص أوقات يومية وأسبوعية للتواصل والأنشطة العائلية المشتركة، بعيدًا عن المشتتات، وإظهار المحبة والاهتمام والتقدير بالكلمات والمواقف، وترسيخ ثقافة الشكر والتشجيع بين أفراد الأسرة.
وأكد أهمية تعزيز التفاهم والتوافق بين الزوجين، وترسيخ الشراكة بينهما في التربية وإدارة شؤون الأسرة، ومعالجة الخلافات الزوجية دون استحضار المشكلات السابقة، إلى جانب تقاسم المسؤوليات المنزلية، وتوزيع الأدوار والحقوق والواجبات بوضوح وعدالة، وإشراك الأبناء في اتخاذ القرارات بما يتناسب مع أعمارهم.
كما دعا إلى ترسيخ ثقافة التسامح والتغافل والاعتذار، ومعالجة الخلافات الأسرية في الوقت المناسب بالحكمة والهدوء، بعيدًا عن الصراخ والإهانة، مع توفير بيئة أسرية آمنة نفسياً وعاطفياً، تقوم على الثقة والاحتواء واحترام الخصوصية والاستقلالية.
وشدد الميثاق على أهمية التمسّك بالقيم الدينية والأخلاقية وتعزيز صلة الرحم، والوعي بأهمية الاختيار السليم لشريك الحياة، وتأسيس العلاقة الزوجية على التوافق والاحترام والمبادئ المشتركة، والاستعانة بالمختصين عند الحاجة لمعالجة التحديات الأسرية.
ويمثل "ميثاق أسرتنا 2026" أحد أبرز المخرجات المجتمعية للنسخة الأولى من الملتقى، إذ جاءت مبادئه من واقع الأفكار والمقترحات التي قدمها المشاركون أنفسهم خلال الحوارات التفاعلية، بما يعكس أهمية إشراك المجتمع في مناقشة التحديات الأسرية والمساهمة في صياغة الحلول والممارسات التي تعزز استقرار الأسرة وتماسكها.
وتتطلع المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية إلى أن يشكّل الميثاق مرجعاً استرشادياً للأسر، ومنطلقاً للمختصين والجهات المعنية بالشأن الأسري في تطوير المبادرات والبرامج التوعوية والتربوية والمجتمعية، بما يُسهم في تعزيز جودة الحياة الأسرية وترسيخ قيم المحبة والتفاهم والطمأنينة.