بينما كانت الحكومة اللبنانية تعمل على تنفيذ بقية الإصلاحات المالية التي تعهدت بها إلى المجتمع الدولي، إذ استفاق المواطن اللبناني على أصوات المعركة والتهجير والخسائر البشرية والمادية المفتوحة نتيجة الهجمات الإسرائيلية.
وتعكف الحكومة على مجابهة تلك الخسائر حيث يواصل وزير المال ياسين جابر سلسلة اجتماعات مع ممثلي الدول ومؤسسات المجتمع الدولي، في مقدمتها الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي ومجلس الإنماء والإعمار اللبناني وكل المعنيين، لتوفير دعم إنساني طارئ للبنان، الذي يعاني منفردا" اليوم.
يقول جابر في مقابلة مع "العربية": "بعد أن حظي لبنان بالتفاف عربي، في حرب الـ 66 يوماً في العام 2024، أصبح منفرداً في هذه الحرب إذ أن الدول العربية لا سيما دول الخليج العربي تعاني من عدوان عليها وتحديات، ورغم ذلك أرسلت بعض المساعدات العينية والإنسانية إلى لبنان".
وخرج لبنان من حرب العام 2024 بخسائر مباشرة وغير مباشرة قدرت بنحو 14 مليار دولار وفقاً للبنك الدولي، فيما بقي يعاني على مدى أكثر من 15 شهراً من الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، وفقاً لوزير المال اللبناني.
أطلق لبنان نداء العجلة مع الأمم المتحدة لتأمين المساعدات الإنسانية للنازحين، وهذا كان سبباً أساسياً لزيارة أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى لبنان لكن المساعدات كانت خجولة بحسب جابر.
أعد مركز البحوث العلمية دراسة عرض فيها خلال الاجتماع مشاهد الدمار بمحاكاة الذكاء الاصطناعي على أن تعرض الحكومة اللبنانية هذه المشاهد في اجتماعات الربيع في واشنطن بالتعاون مع البنك الدولي.
يصف جابر حجم الدمار بـ"هائل جداً" ناهيك عن نزوح أكثر من مليون لبناني موزعين بين البيوت المستأجرة والأقارب وفي مراكز الإيواء بإجمالي يتراوح بين 30 إلى 40 ألف عائلة نازحة.
تقدر الأمم المتحدة كلفة العائلة النازحة الواحدة باليوم بقيمة 500 دولار أميركي.
وفيما تمكنت وزارة المال خلال العام الماضي من تحسين الجباية ما عزز من الاحتياطي في الخزينة، سرعان ما انخفضت الجباية في مارس/آذار الماضي بنسبة 60% عن السابق وهذا الانخفاض مرشح للزيادة إذا ما استمرت الحرب وفقاً لوزير المال.
وأيضاً تسببت الحرب في تجميد كل مساعي الحكومة لتحسين رواتب وأجور العاملين في القطاع العام.
كما أشار جابر إلى أن تداعيات الحرب طالت الاقتصاد العالمي، وانعكست بشكل مباشر على تحويلات المغتربين اللبنانيين، التي سجلت تراجعاً ملموساً خلال شهر مارس، محذراً من أن هذا الانخفاض قد يتفاقم إذا استمرت الحرب واضطرت الشركات في دول الانتشار اللبناني إلى خفض الرواتب أو تقليص عدد الموظفين، ما قد يؤثر على تدفقات العملات الصعبة إلى السوق المحلية.
ورغم هذه الضغوط، طمأن جابر إلى أن سعر الصرف لا يزال مستقراً، مشيراً إلى تنسيق يومي مع مصرف لبنان والجهات المعنية بالآلية التي أطلقها المصرف المركزي منذ منتصف عام 2023 بالتعاون مع شركة "سليم خليل للصرافة" وعدد من المصارف. وتعتمد هذه الآلية على بيع الليرة اللبنانية للشركات والمؤسسات ضمن ضوابط صارمة، بما يحد من المضاربات ويلتزم بأعلى معايير مكافحة غسل الأموال، وقد أثبتت فعاليتها في محطات دقيقة، أبرزها خلال حرب ال66 يوماً، حيث بقي سعر الصرف مستقراً.
وفي ملف الإصلاحات، لفت جابر إلى أن لبنان لا يزال يعمل على استيفاء المتطلبات اللازمة للخروج من "اللائحة الرمادية" المرتبطة بالاقتصاد النقدي، في ظل غياب الدور الكامل للقطاع المصرفي.
وأشار إلى أن مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة يواصلان التدقيق في عمل الجمعيات والمؤسسات التي تنشط خارج الأطر القانونية، بما فيها جمعية "القرض الحسن" وشركات الأموال، للتأكد من التزامها بالقوانين وتعليمات المصرف المركزي.
وأكد جابر على أن الحكومة تضع في صدارة أولوياتها الاستمرار في تأمين رواتب العاملين في القطاع العام، وضمان استمرارية عمل القطاع الصحي، وتعزيز الجهود الإنسانية لإغاثة النازحين، بما يضمن صمود المجتمع اللبناني والقطاعات الاقتصادية في ظل هذه الظروف الاستثنائية.