بقلم: عبدالواحد الجناحي
شهدت مملكة البحرين خلال العقد الأخير تحولاً جذرياً في مشهد المدفوعات الإلكترونية، خاصةً مع انتقالها من الاعتماد المفرط على النقد إلى بناء بيئة رقمية متكاملة، وقد بدأت هذه الرحلة بالتسارع بشكل ملحوظ منذ عام 2015 مع إطلاق نظام التحويلات المالية الإلكتروني EFTS، الذي أحدث ثورة في طريقة انتقال الأموال بين الأفراد والمؤسسات على كافة الأصعدة.
واليوم، نرى ثمار هذا التحول في الأرقام؛ فقد وصلت المدفوعات عبر الإنترنت من خلال النظام خلال العام 2025 إلى 494 مليون معاملة بزيادة 10.7% عن العام 2024، وذلك بقيمة إجمالية بلغت 37.5 مليار دينار بحريني، لتحقق نمواً ملموساً بلغ 12.6% من 33.3 مليار دينار في 2024، الأمر الذي يعكس ثقة المستخدمين المتزايدة واعتمادهم الكامل على الحلول الرقمية.
ولعل جائحة كورونا شكّلت أحد أهم العوامل التي ساهمت في إحداث هذا التحوّل المتزايد نحو الرقمنة، حيث فرضت علينا واقعاً جديداً تغيرت فيه أساليب حياتنا بشكل جذري، وجعلنا أكثر انسجاماً من أي وقت مضى مع التقنيات المتطورة، مما أدى إلى تلاشي الخط الفاصل بين العالمين الواقعي والافتراضي، وبروز الحاجة إلى إرساء منظومة شاملة تسهّل الوصول إلى الخدمات الرقمية، وتكفل تنظيمها وأمنها، في ظل التطورات التي يمر بها المشهد الرقمي الإقليمي والدولي.
وقد ضاعف هذا التحوّل الحاجة إلى حلول مالية مبتكرة تعزز من كفاءة وموثوقية التعاملات الإلكترونية، ومن هذا المنطلق، تفخر «بنفت» بكونها في قلب هذا التحوّل من خلال السعي المستمر لتقديم خدمات ومنتجات مالية رقمية ترسي منظومة شاملة تسهّل الوصول إلى نماذج أكثر تطوراً وأماناً وكفاءة لإدارة الالتزامات المالية بصورة سلسة وموثوقة.
وامتداداً لالتزامها بتطوير منظومة المدفوعات الإلكترونية الوطنية، أطلقت «بنفت» خدمة الخصم المباشر الرقمية عبر «فواتير» من خلال تطبيق «بنفت بي»، وهي بداية مرحلة جديدة في مسيرة التحول المالي الرقمي في مملكة البحرين، وخطوة نوعية ضمن مسيرة التطوير المتواصلة في منظومة المدفوعات الرقمية بالمملكة، تماشياً مع توجيهات مصرف البحرين المركزي لترسيخ مكانة البحرين كمركز إقليمي رائد في الابتكار في مجال المدفوعات الرقمية والتكنولوجيا المالية.
وبالنظر إلى المكاسب الاقتصادية للشركات، تسهم خدمة الخصم المباشر الرقمية في رفع الكفاءة التشغيلية للجهات المستفيدة، من خلال أتمتة عمليات التفويض والتحصيل، وتقليل الاعتماد على الإدخال اليدوي للبيانات، وخفض التكاليف الإدارية، إلى جانب تقليل نسب الأخطاء البشرية، كما يتيح النظام للشركات تحسين التدفقات النقدية بفضل التحصيل التلقائي في مواعيد الاستحقاق علما بأن الخدمة توفر خيارات متعددة لعلميات الاستقطاع المباشر لفترات مختلفة بحسب خيارات واختيارات العملاء.
وتأتي هذه الخدمة كبديلٍ مبتكرٍ للإجراءات التقليدية القائمة على النماذج الورقية، حيث تتيح التفعيل الفوري للتفويضات دون الحاجة إلى المعالجة اليدوية أو التأخير، كما تعتمد الخدمة على قنوات رقمية آمنة تستخدم بيانات العملاء الموثوقة، ما يعزز مستويات الأمان، ويحد من مخاطر الاحتيال المرتبطة بالإجراءات التقليدية.
وتُسهم الخدمة بشكل مباشر في تعزيز تجربة المستخدم النهائي، فالخدمة توفر تجربة دفع سلسة وخالية من التعقيد للمستخدمين، وتدعم التوجه نحو الاستدامة البيئية عبر التحول إلى نموذج رقمي غير ورقي، كما تمثّل أحد الركائز والممكّنات الرئيسية للابتكار في مجالات التكنولوجيا المالية، والخدمات المصرفية المفتوحة، والتمويل المفتوح، والتمويل المدمج، والمدفوعات بين الحسابات، وتشكّل الأساس للانتقال نحو مفهوم الأموال الذكية، لتسهم من خلال ذلك في تطوير المنظومة المالية في المملكة نحو بنية تحتية للدفع أكثر ذكاءً وترابطاً.
ومن الناحية التقنية التي تضمن استدامة هذه المنظومة، تتميز خدمة الخصم المباشر الرقمية بكونها قائمة على واجهة برمجة تطبيقات تربط بين أنظمة الفوترة وإصدار الفواتير والتطبيقات الموجهة للعملاء، ما يتيح عمليات دفع أكثر سلاسة، كما تمكّن الخدمة العملاء من إدارة تفويضاتهم بمرونة أعلى، وتُسهم في أتمتة عمليات التسوية والربط مع أنظمة تخطيط موارد المؤسسات، وأتمتة عمليات المحاسبة من خلال معيار الآيزو 20022 ISO المعني بتبادل البيانات المالية بين المؤسسات المالية.
ومع وصول حجم المدفوعات الرقمية في البحرين إلى مستويات قياسية تضعها في مقدمة دول المنطقة، تجدد «بنفت» التزامها بمواصلة جهودها في تعزيز منظومة خدمات المدفوعات الإلكترونية في المملكة، في ضوء دورها الريادي الذي تعمل من خلاله على طرح حلول مبتكرة وآمنة تواكب تطلعات السوق وتدعم التحول للاقتصاد الرقمي، تماشياً مع التوجهات الوطنية الساعية إلى تطوير البنية التحتية للدفع الرقمي وتعزيز الكفاءة والشفافية، وترسيخ المكانة التي تحظى بها المملكة كمركز رائد في الابتكار والتميز المالي.