خلص تحليل نشره مركز الإمارات للسياسات أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية تمثل لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، لا تقتصر على إعادة توزيع موازين القوة، بل تمتد لإعادة تعريف قواعد النظام الإقليمي وطبيعة الفاعلين فيه.

وبحسب التحليل الذي كتبته، الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات بعنوان "التحوُّل الكبير: كيف ستُعيد الحرب الإيرانية تعريف القوة والنظام الإقليمي"، فإن الحرب الحالية مع إيران تختلف عن الصراعات السابقة في الشرق الأوسط.

ويأتي طبيعة الاختلاف، بحسب الكتبي، كونها لا تُدار ضمن نمط "التصعيد المحسوب"، بل تعكس تحولاً عميقاً ينهي مرحلة طويلة من "الحالة الرمادية" التي سادت المنطقة خلال العقدين الماضيين، حيث لم تكن هناك حرب شاملة ولا سلام مستقر، بل توازن هش قائم على الردع غير المكتمل.

وأوضحت الكتبي أن المواجهة انتقلت من الأطراف إلى العمق، مع استهداف البنى الحيوية والاقتصادية، ما يجعل الحفاظ على النموذج السابق من إدارة الصراع أمراً غير ممكن، ويدفع المنطقة نحو مرحلة جديدة قد تتسم بحسم تدريجي أو بإعادة تشكيل القواعد المنظمة للتفاعلات الإقليمية.

وبيّنت أن أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في إعادة تعريف مفهوم السيادة، حيث لم تعد تُقاس فقط بحماية الحدود، بل بقدرة الدولة على الاستمرار في أداء وظائفها الحيوية رغم التعرض للاختراق، بما يشمل الحفاظ على استقرار الأسواق، واستمرارية الخدمات، وثقة المجتمع.

وفي هذا السياق، أشارت الكتبي إلى أن معيار القوة لم يعد يقتصر على التفوق العسكري، بل بات يرتبط بقدرة الدول على الصمود المؤسسي والاقتصادي، لافتة إلى أن بعض النماذج الإقليمية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، أثبتت أن التماسك الداخلي والمرونة الاقتصادية يمكن أن يشكلا مصدر قوة استراتيجية في أوقات الأزمات.

كما لفتت إلى أن الحرب كشفت تحوّلاً في منطق الردع، إذ لم يعد الهدف فقط منع الهجوم، بل تقليل تأثيره، من خلال بناء منظومات متكاملة تشمل الدفاعات الجوية، والأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية، وإدارة الأزمات على المستويين الإعلامي والمجتمعي.

وأكدت أن الاقتصاد بات ساحة مركزية للصراع، خاصة مع استهداف الموانئ والمطارات وشبكات الطاقة، ما يمنح الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، أهمية مضاعفة باعتبارها أدوات ضغط تؤثر في التوازنات الإقليمية والدولية.

وفيما يتعلق بالنفوذ الإيراني، أوضحت الكتبي أن نموذج "الوكلاء" الذي اعتمدت عليه طهران لعقود يواجه تحديات متزايدة في ظل ارتفاع مستوى التصعيد والانكشاف، ما قد يحد من قدرته على التحكم في مسار الصراع، ويعزز في المقابل دور الدولة كفاعل رئيسي في تحديد قواعد اللعبة.

وتوقعت الكتبي أن تشهد التحالفات الإقليمية تحولات نوعية، بحيث تنتقل من أطر أمنية تقليدية إلى شبكات أكثر تعقيداً تجمع بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا، في ظل سعي الدول لإدارة المخاطر المشتركة وتأمين مصالحها الاستراتيجية.

وحول السيناريوهات المحتملة، أشارت إلى ثلاثة مسارات رئيسية تشمل تسوية سياسية تعيد ضبط النظام الإقليمي، أو هدنة هشة تُبقي المنطقة في حالة "استقرار معلق"، أو تصعيد ممتد يؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات بالقوة.

وقالت الكتبي إن النتيجة الحاسمة لهذه الحرب لن تُقاس بحجم الخسائر أو المكاسب العسكرية، بل بقدرة الدول على الصمود والاستمرار، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستُحدَّد ملامحها وفقاً لمن يملك القدرة على الحفاظ على تماسكه الداخلي وإدارة الأزمات، وليس فقط تحقيق التفوق في ساحة المعركة.