في صباحٍ هادئ من أيام يناير 2026، لم يكن السؤال المطروح في البحرين: ماذا يحمل العام الجديد؟ بل كيف وصلت البلاد إلى هذا المشهد المتماسك منذ يومه الأول؟ فحين تتصدر العناوين إنجازات متعددة في أسابيعها الأولى، يدرك القارئ أن الأمر لم يكن وليد المصادفة، بل نتيجة عملٍ سابق، وإعدادٍ امتد على مدار العام الماضي، حتى بدا مطلع 2026 وكأنه إعلان نتائج اختبارٍ طويل، نجحت فيه البحرين بثقة.

إعلان «عام عيسى الكبير» جاء بوصفه لحظة رمزية جامعة، لا تستدعي الذاكرة من أجل الاحتفاء فقط، بل تعيد توجيه الوعي نحو الاستثمار في المعنى. فالعام هنا لا يُقاس بعدد أيامه، بل بما يحمله من قدرة على تحويل الرمز إلى فعل، والتاريخ إلى قوة دفع للحاضر، من هذه الزاوية بدأت تتكشّف صورة أوسع لبلد قرأ زمنه جيداً.

تتابعت العناوين الكبرى، من اختيار البحرين عاصمةً للثقافة الرياضية لعام 2026، إلى حضورها الدبلوماسي غير الدائم في مجلس الأمن، وهو موقع تشغله نسبة محدودة من دول العالم في كل دورة، غير أن القيمة الحقيقية لهذا المشهد لا تكمن في كثرة الإنجازات، بل في الطريقة التي ارتبطت بها، وكأنها أجزاء لوحة واحدة رُسمت بتأنٍ. فالدولة التي تدير الثقافة والرياضة والدبلوماسية والأمن والتشريع وحقوق الإنسان ضمن إيقاع منسجم، تثبت أنها تمتلك بوصلة داخلية تعرف متى تتقدم ومتى توازن.

هذا ما يمكن تسميته بالتميّز البيني، حيث لا تعمل القطاعات في مسارات منفصلة، بل تتقاطع وتتكامل، الثقافة تغذّي الرياضة بالقيم، والرياضة تعزز الهوية بوصفها ممارسة يومية يعيشها آلاف الشباب، والدبلوماسية تستند إلى الداخل المتماسك، فيما الأمن يُدار بمنطق الاستباق لا ردّ الفعل، والتشريع يواكب تحولات عالمية تتسارع فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي بنسب نمو متزايدة عاماً بعد عام، في هذا السياق، يصبح الانتقال من تميّز إلى تميّز أعلى أمراً طبيعياً لا يحتاج إلى ضجيج.

اجتماعات مجلس الدفاع المدني عكست هذا الوعي، وقدمت نموذج الدولة التي تستعد قبل أن تُفاجأ، وتدير المخاطر بوصفها معرفة يمكن تطويقها، وفي الاتجاه ذاته، جاءت مبادرة النيابة العامة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لتؤكد أن البحرين لا تكتفي بمتابعة التحول التقني، بل تسهم في ضبطه قانونياً وأخلاقياً.

أما تسلّم رئاسة الشبكة العربية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، التي تضم أكثر من ست عشرة مؤسسة، فكان نتيجة طبيعية لمسارٍ تراكمي من العمل الهادئ، وفي قلب هذا المشهد، يبرز الإنسان البحريني، متحرراً من أسر التخصص الضيق، مؤمناً بأن العمل قيمة، وبأن النهضة مسؤولية مشتركة.

هكذا تدخل البحرين عام 2026، لا بوصفه بداية عادية، بل حصاد جهدٍ سابق، ورسالة بأن التميّز الحقيقي لا يحدث فجأة، بل يُصنع بصبر، ويُعلن نتائجه عند اللحظة المناسبة.

* إعلامية وباحثة أكاديمية