لم يبدأ التعايش يوماً بوثيقة، ولا تأسس بقرار أممي، بل وُلد أول مرة حين جلس إنسانان مختلفان على حجر واحد، واقتسما الخوف قبل الخبز، والقلق قبل الماء، واكتشفا أن النجاة لا تكون بالتمايز، بل بالاعتراف المتبادل، من هناك بدأ المعنى العميق للتعايش: ليس كشعار أخلاقي، بل كشرط لبقاء الإنسان إنسانًا.
اليوم العالمي للتعايش، لا نحتفل بفكرة رومانسية مثالية، بل نستدعي واحدة من أكثر القيم الإنسانية واقعية وبراغماتية، فالعالم اليوم، وفق تقارير أممية، يضم أكثر من 8.1 مليار إنسان يتحدثون ما يزيد عن 7 آلاف لغة، وينتمون إلى أكثر من 4 آلاف مجموعة دينية وثقافية وإثنية، بينما تشير إحصاءات الهجرة الدولية إلى أن أكثر من 281 مليون إنسان يعيشون خارج بلدانهم الأصلية، هذه الأرقام لا تصف تنوعاً فقط، بل تصف اختباراً يومياً للتعايش: في المدن، في المدارس، في أماكن العمل، وفي الفضاء الرقمي.
إذا كان التعايش يعبر عن إدارة هذا الاختلاف الإنساني بوعي، فيمكن قراءة تجربة مملكة البحرين كاختبار ناضج لهذه الفلسفة على أرض الواقع، البحرين، التي تعانق شواطئ الخليج، لم تولِّد التعايش من فراغ؛ بل زرعته في نسيجها الاجتماعي منذ عقود، ضمن مجتمع يضم مواطنين من خلفيات دينية وطائفية متعددة، ويعيش جنباً إلى جنب مجتمع كفاءات عالمية من جنسيات مختلفة تعمل وتبدع في مختلف القطاعات، هنا، لم يصبح التعايش مجرد قيمة أخلاقية، بل خياراً استراتيجياً ورافداً تنموياً حقيقياً.
على المستوى التنموي، أثبتت السياسات البحرينية في تعزيز الحوار بين الثقافات والأديان أنها ليست تجميلاً للمشهد فقط، بل أداة فعّالة لجذب الاستثمار، وتعزيز الابتكار، واستدامة النمو، فقد جعلت البحرين من أمنها الاجتماعي وقوة تلاحمها بين أبنائها من جميع الخلفيات نقطة جذب للمشاريع الدولية، وبيئة مستقرة للشركات متعددة الجنسيات، ما ساهم في نمو القطاع الخاص وزيادة فرص العمل، خاصة في قطاعات مثل الخدمات المالية، والسياحة، والتعليم.
ولا يمكن تجاهل انعكاس هذه السياسات على التنمية البشرية؛ فبيئة التعايش التي تحتفي بالاختلاف، وتعمل على دمجه في الحياة العامة، كانت سببًا في ارتفاع مستويات الرضا الاجتماعي، وفي توسيع مساحة الحوار المدني، وفي دعم المواطن والمقيم على حد سواء ليشعروا بأن حكم القانون والحقوق متاحة دون تمييز، وهذا بدوره يعزز البنية الثقافية للمجتمع، ويجعل من البحرين مثالاً حياً في المنطقة حول إمكانيات التعايش كرافد للاستقرار والتنمية.
التعايش ليس قبول الآخر بوصفه "مختلفاً"، بل فهمه بوصفه "مكمّلاً"، والبحرين، في سياستها وعملها، تؤكد أن هذا الفهم ليس فكرة نظرية، بل منهج حياة، العقل الذي يرى الأديان لا تتصارع، بل تتقاطع في القيم، والثقافات لا تتنافى بل تتحاور، هو نفسه العقل القادر على صنع تنمية مستدامة.
وفي النهاية، التعايش ليس أن نعيش معاً فقط، بل أن نحيا معاً بكرامة، وأن نختلف بوعي، وأن نتعدد دون أن نتفكك، في هذا اليوم، لا نحتفل فقط بقيمة عالمية، بل بنموذج يتجسد في واقع السيارات والشوارع والأسواق، وفي وجوه الناس الذين في البحرين يروون كل يوم معنى أن يكون التعايش أساس التطور والازدهار.
* إعلامية وباحثة أكاديمية