لم تكن عبارة «شروق شمس المعارف» التي وردت في الكلمة السامية لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، خلال مهرجان البحرين أولاً، توصيفاً بلاغياً عابراً، بل توصيفاً لمسار حضاري تراكمي، أصبحت فيه أرض البحرين موطناً لشروق شمس المعارف على مرّ العصور، تشكّلت خلاله هوية البحرين الحديثة على أساس العلم والمعرفة والوعي الإنساني.
وهي عبارة تختزل تاريخاً من الريادة، وتؤكد أن التعليم في البحرين لم يكن يوماً خياراً مؤجلاً، بل كان منذ البدايات ركيزة أساسية في بناء الدولة والمجتمع.
وضمن ما تضمنته الكلمة السامية من رؤى ومعانٍ، جاء التوجيه الملكي السامي بالاستعداد للاحتفاء بمرور مئة عام على بدء التعليم الحكومي النظامي للفتيات، بوصفه محطة وطنية مفصلية، تستحضر مرحلة تأسيسية من تاريخ البحرين في عهد صاحب العظمة عيسى الكبير، حاكم البحرين وتوابعها، طيب الله ثراه، وتمتد بدلالاتها نحو المستقبل.
فقد شكّل تعليم المرأة منذ عام 1928 شاهداً مبكراً على وعي البحرين بأهمية الاستثمار في الإنسان، وإيمانها بدور المرأة شريكاً كاملاً في مسيرة التنمية، ضمن رؤية جعلت من العلم أساساً للارتقاء الاجتماعي والحضاري.
ولا ينفصل هذا المسار التعليمي عن التجربة الإنسانية الأوسع التي قدّمتها البحرين نموذجاً حياً، بوصفها مجتمعاً مسلماً في قيمه وهويته، جسّد سماحة الإسلام وانفتاحه عملياً، حين بادرت –برؤية ملكية سامية– إلى إطلاق مبادرة اليوم الدولي للتعايش السلمي، لتكون رسالة عالمية تنطلق من واقع مجتمعي عاش التعدد الديني والثقافي في ظل قيمه الإسلامية.
وقد تُوّج هذا النهج مؤخراً بتسجيل مملكة البحرين إنجازاً عالمياً بدخولها موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأعلى كثافة لدور العبادة في دولة واحدة، بمعدل 2.577 دار عبادة لكل كيلومتر مربع، في دلالة موثّقة على عمق ثقافة التعايش واحترام التنوع.
وبهذا النهج المتكامل، ترسّخ البحرين حضورها دولةً تحمل رسالة حضارية مستنيرة إلى العالم، قوامها العلم، واحترام التنوّع، والإيمان بأن التعايش الإنساني ليس شعاراً، بل ممارسة راسخة تنبع من هوية وطنية واثقة، تُعزّز التعليم بالوعي، وتُوازن بين الانفتاح والاستقرار، وتمضي بثقة نحو المستقبل، جاعلةً من الاستثمار في الإنسان أساس نهضتها، ومن التعايش الإنساني نهجاً ثابتاً ورسالة مضيئة إلى العالم.