لم يكن العطل في جهاز الحاسوب مجرد خللٍ تقني عابر، بل كان أشبه بارتطامٍ مفاجئ بجدار الزمن، شاشة توقفت عن الطاعة، ومؤشر جامد كأن الذاكرة أعلنت العصيان، وفي الخلفية كانت أعمالي الصحفية والأكاديمية تتكدّس بصمت ثقيل. جدولٌ زمنيٌّ كنت أتعامل معه كمعادلة دقيقة، انفرط دفعة واحدة، فتحوّل اليوم من انتظام محسوب إلى سباق مرهق مع الوقت، لا أطارده بل يسبقني بخطوات.

في طريق إصلاح العطل، لم أكن أبحث عن سرعة جهاز فقط، بل عن استعادة إيقاع حياتي، قال لي الفني بهدوء تقني بارد: «تحتاجين مساحة إضافية وسرعة أعلى»، جيجابايت واحد فقط، لكنه كان كفيلًا بإيقاظ أسئلة أكبر من حجمه بكثير، حين سألت عن ارتفاع السعر، جاء الجواب سريعاً: «الذكاء الاصطناعي»، هنا توقفت، لا اعتراضاً، بل تفكيراً، كيف تحوّل الذكاء، الذي وُعدنا بأنه سيخفف العبء، إلى سبب مباشر في تضخم الكلفة؟

الأرقام تفسّر جانبًا من المشهد، فبحسب تقديرات تقنية عالمية، فإن حجم البيانات المنتَجة عالمياً ارتفع من نحو 33 زيتابايت عام 2018 إلى أكثر من 120 زيتابايت في 2024، مع توقعات بتجاوز 180 زيتابايت قبل 2026، أكثر من 60% من هذا النمو مرتبط بتطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، من تحرير النصوص إلى تحليل الصور والفيديو، لم تعد الملفات أثقل لأننا نكتب أكثر، بل لأن الأدوات نفسها أصبحت تستهلك مساحة تفوق ما ننتجه نحن.

في المقابل، تشير تقارير سوق التقنية إلى أن أسعار التخزين السحابي والخدمات المرتبطة به ارتفعت بنسب تتراوح بين 15% و30% خلال خمس سنوات، بينما تضاعفت متطلبات البرامج من الذاكرة والسرعة ثلاث مرات تقريباً، هنا يبرز السؤال الإنساني لا التقني: هل يُطلب من الفرد أن يواكب هذا التسارع بلا سقف؟ وهل المستخدم الصحفي أو الأكاديمي، الذي يعمل بعقله لا بشركة خلفه، مطالب بدفع ثمن تطور لم يشارك في تسعيره؟

الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية، بل صار شرطاً ضمنياً للاستمرار، تحديث وراء تحديث، مساحة وراء مساحة، وكأن العمل الفكري بات بحاجة إلى تمويل دوري ليظل قابلاً للتنفس، الفجوة لم تعد بين من يملك المعرفة ومن يفتقر إليها، بل بين من يستطيع تحمّل كلفة الأدوات ومن يعجز عنها، حتى لو كان يمتلك الفكرة والقدرة.

في لحظة الخروج من المحل، أدركت أن الجهاز سيعود للعمل، لكن السؤال سيبقى، نحن لا نواجه ثورة تقنية فقط، بل اختباراً أخلاقياً واقتصادياً لعلاقتنا بالذكاء الاصطناعي، فإما أن نُعيد ضبط المعادلة ليبقى الإنسان هو المركز، أو نواصل دفع الفواتير بصمت، حتى يصبح الإبداع نفسه مشروطاً بسعة التخزين، لا بعمق الفكرة.

* إعلامية وباحثة أكاديمية