في زمن تتسارع فيه الخطى التقنية، وتتداخل فيه العوالم الرقمية مع الحياتية، يبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أهم أدوات العصر في إعادة تشكيل مستقبل البشرية، وفي قلب هذه الثورة، تكمن فرصة فريدة للثقافة العربية، التي تحتضن إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين، للحفاظ على كنوزها المادية والمعنوية عبر الذكاء الاصطناعي.

تشير تقارير منظمة «اليونسكو» إلى أن أكثر من 50% من المخطوطات العربية النادرة معرضة للتلف والضياع بسبب الظروف المناخية وقلة الموارد للحفاظ عليها، لكن اليوم، تبرز مبادرات مثل مشروع «المخطوطات الرقمية» الذي أطلقته جامعة الدول العربية، حيث تم رقمنة أكثر من 120,000 مخطوطة نادرة، معتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعرف الضوئي على الحروف (OCR)، مما يسهل حفظها وتحليل محتواها بشكل غير مسبوق، هذا الإنجاز لا يحفظ فقط الورق القديم، بل يحول التاريخ إلى بيانات قابلة للبحث والفهم.

في مجال اللغة واللهجات، تعاونت عدة جامعات عربية مع شركات تكنولوجيا لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على فهم وترجمة لهجات مثل الخليجية والمصرية والمغربية بدقة تصل إلى 90%، هذه الخطوة تمثل حماية فعلية للهوية اللغوية المتنوعة، إذ يحافظ الذكاء الاصطناعي على هذه اللهجات من الاندثار، ويمنحها حياة جديدة في فضاءات الإعلام والتعلم الإلكتروني.

وفي الإمارات، أطلق «معهد مصدر للذكاء الاصطناعي» مشروعاً يدمج الذكاء الاصطناعي مع الفنون التقليدية لإعادة إحياء الخط العربي من خلال روبوتات فنية قادرة على إنتاج تصاميم معاصرة، ما جذب اهتمام الشباب، وأدخل التراث إلى عوالم الواقع الافتراضي، كما أن مشروع «متحف المستقبل» في دبي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل المعروضات التاريخية وتقديمها بطرق تفاعلية تعزز تجربة الزوار.

يقول الدكتور أحمد الكعبي، أستاذ علوم الحاسب بجامعة الإمارات: «الذكاء الاصطناعي ليس فقط أداة للحفاظ على التراث، بل هو جسر يربط بين الماضي والحاضر، ويمكننا من تقديم الثقافة العربية للعالم بطريقة مبتكرة تحافظ على جوهرها».

تتيح التكنولوجيا كذلك الترجمة الذكية وتحليل النصوص الثقافية بسرعة وكفاءة، ما يفتح آفاقاً واسعة لتعزيز التفاهم بين الشعوب العربية والعالم، ففي عام 2024، شهدت تطبيقات الترجمة المباشرة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط نماً بنسبة 40%، ما يعكس حرص الجمهور العربي على التواصل العالمي مع الحفاظ على أصالته.

مع هذه الفرص، يبقى التحدي في ضمان توازن ذكي بين التقنية والإنسانية، فلا تتحول الثقافة إلى بيانات جامدة، بل تظل نابضة بروح الإنسان وقيمه، ولذا، تتطلب المرحلة القادمة تعاوناً مستمراً بين الأكاديميين والمطورين والمؤسسات الثقافية.

ومنها يظل الذكاء الاصطناعي بوابة المستقبل التي تحفظ الماضي وتضيء الحاضر، لتعزز الهوية العربية وتبني لأجيال قادمة إرثاً ثقافياً نابضاً بالحياة والتميز.

* إعلامية وباحثة أكاديمية