يتغنى كثير منا بالخصوصية، ويغضب كثيراً إذا انتهك أحد خصوصيته، لكن غضبه هذا يشبه غضب أحدهم من دخول الحشرات والزواحف إلى بيته مع أنه فتح لها النوافذ والأبواب لتدخل، الخصوصية لديه فكرة لها وزنها، يكتب فيها المقالات، ويخترع من أجلها المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، ويجعل منها موضوعاً رئيسياً في المجالس، يستعملها عند الحاجة، ثم يعيدها إلى الدرج عندما تكون عائقاً أمام تحميل تطبيق جديد على هاتفه أو استخدام خدمة "مجانية".

الإنسان المعاصر كائن شديد الحساسية تجاه كرامته الرقمية، لكنه حاتم الطائي في توزيعها، يمنح هاتفه لكل من يطلب، لا سيما من سيستخدمه للوصول إليه، كبائع الملابس وغيره، يشاهد الغيوم ملبدة في السماء، ويخرج بدون مظلة، ثم يشكو من المطر، يضغط "موافق" بسرعة تفوق سرعتنا في قراءة العناوين، لا لأنه يثق، بل لأنه مستعجل، والاستعجال – كما هو معروف – عدو التفكير، وصديق الشركات، يغضب حين يكتشف أن التطبيقات تعرف موقعه، مع أنه من دلّها عليه، يرتعب حين يسمع أن الميكروفون يعمل، مع أنه سمح له بالعمل، يظهر بدور المستغرب والمتعجب من ظهور الإعلانات التي تشبه أفكاره، وكأن أفكاره كانت سراً عسكرياً وليست حديثاً قاله بصوت عالٍ أمام الهاتف وهو على الطاولة، الواقع نحن لا نرفض المراقبة، لكننا نرفض الإحساس بها، نريدها ناعمة، مهذبة، لا تحرجنا بإعلان صريح أو اقتراحٍ دقيق أكثر من اللازم، لا مانع عندنا أن تجمع بياناتنا، المهم ألا يواجها أحد بأننا من قدّمها، وأننا لم نجبر على شيء سوى الاستعجال والكسل، نميل إلى الخدمات الذكية، لكننا نكره أن تخبرنا بأنها تعرف عنا كل شيء، نريد تطبيقاً يعرف احتياجاتنا، لكن لا نريد أن نرى دليل معرفته، نريد قانوناً صارماً، لكن عندما يصل إلينا نريده مرنا، نريد الخصوصية كاملة، لكننا نريد أن نستمر في نشر كل شيء، وتصوير كل شيء، والتعليق على كل شيء، والتدخل في كل شيء، ثم نغضب ونتعجب إن جمع شخص كل شيء عنا في ملف واحد، المفارقة أن حديثنا عن الخصوصية لا ينتهي بسؤال: هل نحن مستعدون للتخلي عن أي خدمة تنتهك خصوصيتنا؟ بل ينتهي بعبارات أخلاقية عامة، تدغدغ الضمير، لكنها لا تغير شيئاً، ثم نعود لنفس الهاتف، ونفس التطبيق، ونفس زر "موافق"، وكأن الخصوصية قضية رأي عام لا علاقة لها بسلوك فردي بسيط مثل إغلاق الإعدادات أو قراءة الشروط.

نحن نعيش تناقضا، نريد أن نكون مستخدمين لا منتجات، مع أننا نرفض الدفع، ونرفض القراءة، ونرفض الانتظار، ونرفض التفكير، نريد كل شيء سريعاً، مجانياً، ثم نغضب حين نكتشف أن الثمن لم يكن مالاً، بل معلومات، لذا نحن لسنا ضحايا بالمعنى الكامل، ولسنا أبرياء كما نحب أن نبدو، نحن شركاء صغار في صفقة كبيرة، نوقّع عليها كل يوم، ثم نشكو منها كل مساء.

* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية