في الأجواءِ الحارّة، حينَ يبدو القيظُ كأنَّهُ شمسٌ طويلةٌ لا تريدُ أنْ تنام، كانتْ كشتاتُ البرك أشبهَ بوعدٍ صغيرٍ بالسعادة ينتظرهُ الجميع. فمنذُ المساءِ السابق، تمتلئُ البيوتُ بحديثِ الغد، وتتحوّلُ الكشتةُ إلى حلمٍ صغيرٍ ينامُ الأطفالُ على عتبتهِ بصعوبة، وهم يتخيّلونَ الماءَ والسباحةَ والركضَ والضحكَ الذي لا ينتهي.
وحينَ يحينُ الموعد، يصلُ الباصُ كأنَّهُ سفينةُ بهجةٍ جاءتْ لتحملَ الحيَّ بأكملهِ إلى نهارٍ مختلف. تتعالى الأصواتُ منذُ اللحظةِ الأولى؛ أمهاتٌ يحملنَ القدورَ والأرزَّ والبهارات، وأطفالٌ يتراكضونَ بوجوهٍ متّقدةٍ بالحماس، وكلُّ واحدٍ يريدُ مقعداً قربَ النافذة، بينما ترتفعُ النداءاتُ والضحكاتُ في مشهدٍ يشبهُ فوضى الفرح الجميلة.
وما إنْ يتحرّكَ الباصُ حتى تبدأُ الحكايةُ الحقيقية؛ لا طريقَ صامتاً هناك، بل عالمٌ صغيرٌ من الأغاني والضحكات. كانتِ موسيقى الفرحِ تُبتكر من أبسطِ الأشياء؛ أطباقٌ معدنيّةٌ تتحوّلُ إلى دفوفٍ مرتجلة، وملاعقُ صغيرةٌ تضربُ الإيقاعَ بحماس، وصفقاتُ الأيدي.وحينَ يصلونَ إلى البركة، يبدأُ نهارٌ آخرُ من البهجة. يركضُ الأطفالُ نحوَ الماءِ، تتطايرُ الضحكاتُ مع الرذاذ، وتغدو البركةُ عالماً كاملاً من الصخبِ والفرح. أما النساءُ، فيجلسنَ قريباً، لا بعيداً عن عيونِ أبنائهنَّ، يراقبنَ الماءَ بقلوبِ الأمهاتِ، ويبدأنَ إعدادَ الغداءِ وسطَ أحاديثٍ طويلةٍ لا تنتهي.
كانتْ كلُّ جارةٍ تأتي بشيءٍ من بيتها؛ واحدةٌ تحملُ الأرز، وأخرى تأتي بالروبيان، وثالثةٌ تحملُ البصلَ والطماطمَ والبهارات، ورابعةٌ تُحضرُ الشايَ أو الحلويات. لم يكنْ أحدٌ يسألُ من جاءَ بأكثر، لأنَّ المشاركةَ نفسَها كانت أجملَ من الطعام.
وبينما النساءُ منشغلاتٌ بالطهوِ والحديث، كان الأطفالُ يركضونَ ويغوصونَ في الماءِ بلا تعب، كأنَّ النهارَ لا يعرفُ نهاية، أجسادٌ صغيرةٌ لامعةٌ بالماءِ، ووجوهٌ يملؤها الفرحُ الخالص، وصرخاتٌ متقطعةٌ من شدّةِ اللعب. وحينَ ينضجُ الغداءُ، ترتفعُ أصواتُ الأمهاتِ: «تعالوا تغدوا»، فيخرجُ الأطفالُ من الماءِ على مضض، يجرّونَ أقدامَهم الصغيرةَ كأنَّهم يفاوضونَ الوقتَ على دقائقَ إضافيّة.
يجلسونَ حولَ السفرةِ بسرعةٍ ولهفة، لكنَّ عيونَهم تبقى معلّقةً بالبركة، وقلوبُهم نصفُها يأكلُ ونصفُها الآخرُ ما يزالُ يسبح. تحاولُ الأمهاتُ الإمساكَ بهم قليلاً: «كلوا زين»، «استريحوا شوي»، لكنَّ الماءَ كان أكثرَ إغراءً من الصبر. وما إنْ تنتهي اللقمةُ الأخيرةُ حتى يركضوا من جديد، كأنَّ البركةَ تناديهم بأسمائهم.
ومعَ ميلِ الشمسِ إلى الهدوء، تبدأُ الكشتةُ بالانطفاءِ البطيءِ الجميل. تُجمعُ القدورُ، وتُطوى السفرُ، وتُنادى الأسماءُ واحداً واحداً. يقفُ الأطفالُ قربَ الماءِ بنظراتٍ أخيرة، كأنَّهم يودّعونَ صديقًا يعرفونَ أنّهم سيشتاقونَ إليهِ منذُ اللحظةِ الأولى.
ثمّ يعودُ الجميعُ إلى الباص، بأجسادٍ متعبةٍ وقلوبٍ ممتلئة. يلبسُ الأطفالُ ثيابَهم فوقَ أجسادٍ ما تزالُ تحملُ شيئاً من البلل.
هناكَ، قربَ نافذةِ الباص، يغفو طفلٌ ورأسُهُ متّكئٌ على الزجاج، وآخرُ ينامُ على كتفِ أخيهِ، وثالثةٌ تغلقُ عينيها وفي شعرِها ما يزالُ شيءٌ من ماءِ البركة. أطفالُ نائمونَ بأحلامٍ صغيرةٍ ربما ما تزالُ تسبحُ في البركة، وخارجَ النافذةِ، كان المساءُ يمرُّ هادئاً، بينما يعودُ الجميعُ إلى بيوتهم، لا يحملونَ معهم أطباقاً فارغةً أو مناشفَ مبللةً فقط، بل يحملونَ يوماً كاملاً من الألفة.