بدر علي قمبر

كعادة المحطات الإيمانية الجميلة، تمر سريعاً دون أن تمهلك كثيراً، لكنها توصل لك رسالة واضحة المعالم، مفادها أن الإنسان إنما يعيش باستثمار لحظاته وأوقاته، وأن الوقت الذي يمضي لا يعود أبداً. وهكذا هي محطة الحج الإيمانية، «أجمل رحلة في الحياة»، فهي ليست كغيرها من الرحلات، بل رحلة استزادة من زاد الآخرة، وتطهير للنفس من شوائب الحياة.

ومهما كتبت من سطور عن هذه الرحلة الإيمانية، فلن أوفيها حقها. وعندما يحدثني البعض عن «الترف الإعلامي» الذي يبالغ فيه البعض عند نقل وقائع هذه الرحلة، أقول لهم إنه ليس ترفاً بقدر ما هو استحقاق لأفضل الوفود؛ إنهم وفود الرحمن، ويستحقون من يكرمهم وينقل خطواتهم ومشاعرهم. ويزداد هذا الاستحقاق أهمية في ظل وفرة المحتويات الساذجة التي تهدر الأوقات فيما لا جدوى منه، فضلاً عن إضعاف الجانب الإيماني لدى النفوس التي تنشغل بمتابعة تفاصيل يومية عابرة للمشهورين، تغزو العقول بأنماط حياتية فارغة من المعنى.

وتبقى المحطة الأهم هي ما بعد الحج لوفود الرحمن الذين اصطفاهم المولى الكريم لحج بيته الحرام، وأكرمهم بالوقوف على صعيد عرفات وأداء المناسك في أجواء إيمانية عظيمة. وهذه المحطة لا يستشعرها إلا أولئك الذين طهرت نياتهم، وحسنت مقاصدهم، وأحسوا بحجم القرب الإيماني الذي تذوقوه في أجواء الحج. ولا يدركها إلا الصادقون في مسعاهم، الذين جاؤوا طلباً للتغيير القلبي والإيماني والحياتي، راغبين في أن تتبدل أحوالهم إلى الأفضل، وأن يزدادوا قرباً وحباً لله تعالى، فتكون أوقاتهم لله تعالى وحده، وتُستثمر أعمارهم في طاعته.

ملامح كثيرة رصدتها لدى عدد من حجاج بيت الله الحرام، وبخاصة أولئك الذين اقتربنا منهم وتعرفنا عليهم ضمن أصداء «أجمل رحلة» مع حملة صهيب الرومي. يحدثني أحد الحجاج برسالة جميلة أحببت أن أنقلها لجمال معانيها، يقول فيها: «والله يا بوعزام، استمتعت وأنا أقرأ مقالك السابق، وتخاطر في ذهني كيف صقلتنا هذه الرحلة الإيمانية التي عشناها أثناء أداء فريضة الحج، وتركت فينا أثراً عميقاً في التحول الداخلي. وبعد وصولنا تبصرت أن الرحلة لا تنتهي بانتهاء المناسك، بل تبدأ عند العودة، حين تقر أعين الناس بنا وهم يروننا في أحسن وأزكى حال، على أن نوقن أننا رجعنا إلى ربنا قبل أن نرجع إلى بيوتنا، بثبات أكبر واستقامة أرسخ، وصفحة نقية ينبغي أن نسعى إلى زيادة نصاعتها وطهارتها».

ويكتب آخر كلمات جميلة تركت في النفس أجمل الأثر، فيقول: «أشكرك على وجودك معنا في هذه الرحلة التي لن ننساها ما حيينا. صحبتك كانت من خيرة الأمور التي رافقتنا فيها، وأضفت لنا شيئاً مميزاً للغاية. الأذكار، وتلاوة سورة الملك، والمسابقات، كلها كانت مميزة بأدائك. شكراً على وجودك معنا طوال هذه الفترة، وأسأل الله أن يرزقك الخير من أوسع أبوابه». ومثل هذه الكلمات ليست أصداءً شخصية بقدر ما هي أثر باقٍ في نفوس ضيوف الرحمن، الذين كانت لهذه المحطة في حياتهم بصمة كبيرة ستقودهم -بإذن الله تعالى- إلى الأفضل.

ومن المواقف الجميلة التي نُقلت إلينا خلال هذه الرحلة الإيمانية المباركة، قصة أحد الحجاج الذي جمعه الله عز وجل، هو وزوجته، بأبناء صديق قديم له توفاه الله تعالى. وقد حدثهم عن موقف قديم كان لوالدهم -رحمه الله- أثر بالغ في حياته، حين اشترى له رداءي إحرام في إحدى الرحلات التي جمعتهما إلى جدة، ورتب له أداء مناسك العمرة. ومنذ تلك اللحظة لازمه التوفيق والسير في طريق الخير. سبحانك يا رب، فمثل هذه المواقف لا تتكرر كثيراً في الحياة، وإنما يجمعها المولى الكريم لرسائل خاصة لأصحابها، وفي أطهر البقاع، حتى يبقوا على طريق الخير، ويسيروا على نهج من ربّاهم وأحسن إليهم، ومن كان لموقفه البسيط أثر عظيم في هداية الآخرين ودلالتهم على الخير. الحج كله مواقف وعظات؛ فما عليك إلا أن تتأمل الحجاج في كل مناسكهم، وتتأمل حجم المشقة التي تحملوها من أجل أن يرزقهم المولى الكريم حجة العمر. فقد ضحوا وبذلوا وجمعوا الأموال عاماً بعد عام، حتى بلغوا هذه اللحظة الفريدة والجميلة التي لا تتكرر كثيراً في حياة الإنسان.

معذرة، فمثل هذه الرحلات الإيمانية متعة لا تدانيها متعة، وأثرها ملموس ومتواصل في القلب قبل أن يكون في نفوس الآخرين. وإن فهم البعض المغزى بخلاف ذلك، فهو وشأنه، أما المقاصد فإلى الله تعالى وحده. إنها رحلة خير واصطفاء وتغيير، وبداية لحياة جديدة. ودائماً ما أتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، وفي الحديث الآخر قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد حج مبرور».

وقد يختلف أثر الحج ونظرة الناس إليه من شخص لآخر، لكن الأجمل أن ينقل هذه الرسالة من آمن بها وعاش معانيها، حباً للخير، ورغبة في نشر أثرها بين الناس. فلعل أحدهم تأخر في اتخاذ قرار الحج، ولعل آخر متردد، ولعل ثالثاً يخشى هذه الأجواء، أو تراجعت إيمانياته بفعل مشاغل الحياة؛ لذا فإن أصداء هذه الرسالة سيكون لها -بلا شك- أثرها الطيب.

كما أنها تضفي بُعداً جمالياً على جهود حملات الحج التي يهمها في المقام الأول خدمة ضيوف الرحمن، والعمل على تجاوز أي قصور حدث في سنوات سابقة، والسعي المستمر نحو التطوير والتحسين. فهذا هو النهج الأمثل في خدمة ضيوف الرحمن، لا الانشغال بمنافسة الآخرين، فمراجعة الذات والارتقاء بالأداء أولى وأجدى. وعندما يتحقق ذلك، تقترب الحملات من بلوغ رسالتها ومبتغاها في الخير. ويبقى التغيير الأكبر هو التغيير الذي يحدث في النفس؛ فكل نفس صالحة هي ثمرة نجاح، وكل حاج عاد بأثر إيماني جميل هو شاهد حقيقي على نجاح مقاصد الحملات في خدمة ضيوف الرحمن وتحقيق رسالتها.

ومضة أملاللهم تقبل من حجاج بيتك الحرام حجهم، واجعل حجهم مبروراً، وذنبهم مغفوراً، وسعيهم مشكوراً، وتقبل من جميع من قام على خدمتهم عملهم، واجعله خالصاً لوجهك الكريم.