إن العدوان الإيراني الآثم الذي استهدف الكويت الشقيقة وأوقع عشرات المصابين وأودى بحياة إنسان بريء، وما سبقه من تهديد لأمن البحرين ودول الخليج العربي ومنشآتها الحيوية، امتداد لمسار سياسي طويل اعتاد تصدير التوتر كلما اقتربت المنطقة من الاستقرار.
منذ أكثر من أربعة عقود، والخليج العربي وإيران يسيران في طريقين مختلفين، ففي الوقت الذي اختارت فيه دول الخليج العربي الاستثمار في الإنسان والتعليم والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية، استمرت طهران في توسيع دائرة الصراعات والأذرع المسلحة وخطابات التصعيد، وبينما كانت العواصم الخليجية تبني المطارات والموانئ والمدن الحديثة، كانت المنطقة تُفاجأ بين الحين والآخر بأزمة جديدة أو تهديد جديد أو مشروع فوضى جديد، وكأن الصراع الحقيقي لم يكن يوماً على الأرض، بل على صورة المستقبل نفسه.
وإذا كانت إيران تزعم أن أهدافها عسكرية أو مرتبطة بصراعات إقليمية، فإن النتائج على الأرض تكشف حقيقة مختلفة، فالمتضرر الأول من هذه الاعتداءات هو أمن الخليج واستقراره واقتصاده، المطارات تتعطل، وحركة الملاحة تتأثر، والاستثمارات تترقب، والمواطن الخليجي يدفع ثمن حسابات لا علاقة له بها، ولهذا فإن استهداف المنشآت والمرافق الحيوية لا يمكن تفسيره إلا باعتباره استهدافاً مباشراً لبيئة التنمية التي جعلت الخليج نموذجاً إقليمياً في النمو والاستقرار.
التاريخ يعلمنا أن من يعجز عن منافستك في البناء يحاول أن يشغلك بالهدم، وهذه هي المفارقة التي تكشفها الأحداث الأخيرة، فبينما تمضي دول الخليج العربي في تنفيذ رؤى تنموية طموحة ومشاريع اقتصادية كبرى، ما زالت بعض القوى تراهن على الصواريخ والاضطرابات باعتبارها أدوات تأثير، غير أن التجارب أثبتت أن التنمية أكثر بقاءً من الضجيج، وأن الحضارات تُقاس بما تملك من قدرة على صناعة الحياة.
لقد أثبتت البحرين والكويت ودول الخليج العربي أن أمنها مشروع حضاري متكامل يقوم على الاستقرار والانفتاح والتقدم، ولهذا فإن كل اعتداء جديد لا يكشف قوة من يقف خلفه بقدر ما يكشف حجم المأزق الذي يعيشه المشروع الذي يلجأ إليه.
وحين يهدأ دخان الصواريخ وتعود الحياة إلى طبيعتها، سيبقى السؤال الأهم: ماذا ربحت إيران من كل هذا الخراب؟!
فالتاريخ لا يمنح المجد لمن امتلك القدرة على إطلاق الصواريخ، بل لمن امتلك القدرة على بناء الأوطان، وسيبقى الفرق واضحاً بين من يبني مستقبلاً تعيش فيه الشعوب، ومن يصنع أزمة يعيش عليها المشروع.
* إعلامية وباحثة أكاديمية