في خضم الحرب التي هزت المنطقة، وأعادت مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث العالمية، كان كثيرون يتوقعون أن تقفز أسعار النفط إلى مستويات قياسية ربما تتجاوز 150 دولاراً للبرميل، خاصة وأن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبر هذا الممر المائي الضيق. إلا أن ما حدث كان مختلفاً تماماً، إذ بقيت الأسعار دون حاجز 100 دولار للبرميل، بل تراجعت في بعض الفترات مع تزايد المؤشرات على اقتراب تسوية سياسية بين الولايات المتحدة وإيران.

وبحسب ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن أسواق النفط العالمية أظهرت قدراً كبيراً من المرونة في مواجهة الأزمة، مدفوعة بعدة عوامل متداخلة حالت دون تحول الحرب إلى صدمة نفطية عالمية شبيهة بما حدث في سبعينيات القرن الماضي.

أولى هذه المفاجآت جاءت من الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم. فقد انخفضت وارداتها النفطية إلى 7.8 مليون برميل يومياً خلال شهر مايو الفائت، مقارنة بنحو 11 مليون برميل يومياً في السنوات الأخيرة. وبمعنى آخر، اختفى من السوق ما يقارب 3 ملايين برميل يومياً من الطلب العالمي، وهي كمية تعادل تقريباً الاستهلاك النفطي اليومي لفرنسا وإيطاليا مجتمعتين. هذا التراجع الكبير، وفر متنفساً للأسواق ومنع الأسعار من الانفلات.

العامل الثاني تمثل في استمرار تدفق النفط الخليجي رغم المخاطر الأمنية. فبرغم التهديدات المتبادلة والتوتر العسكري، لم يتوقف تصدير النفط بشكل كامل. وتشير البيانات إلى وصول نحو 100 مليون برميل من النفط غير الإيراني إلى الأسواق العالمية منذ بداية مايو، بمعدل يقارب 2.5 مليون برميل يومياً، وهو ما ساعد على تهدئة مخاوف المستثمرين والمتعاملين.

كما برهنت الاستثمارات الخليجية طويلة الأمد في البنية التحتية للطاقة على أهميتها الاستراتيجية. فخط الأنابيب السعودي شرق-غرب والخط الإماراتي البديل أصبحا قادرين على نقل ما يقارب 9 ملايين برميل يومياً بعيداً عن مضيق هرمز، وهو ما خفف الاعتماد المطلق على هذا الممر الحيوي، وأعطى دول الخليج هامشاً أكبر للمناورة في أوقات الأزمات.

لكن هذا الاستقرار النسبي في الأسعار لا يعني انتهاء الخطر. فالمخزونات النفطية العالمية تتراجع بصورة مستمرة، وأي انتعاش مفاجئ في الطلب الصيني أو أي تعثر في جهود التهدئة السياسية قد يعيد الضغوط سريعاً إلى أسواق الطاقة. ولذلك يرى البعض أن العالم لم يتجاوز الأزمة بالكامل، بل نجح فقط في تأجيل آثارها الأكثر حدة.

وربما تكمن الرسالة الأبرز في أن أمن الطاقة لم يعد يعتمد فقط على حجم الاحتياطيات النفطية، بل على تنوع طرق التصدير، وكفاءة الاقتصاد، والقدرة على التكيف مع الأزمات. وهي مجالات استثمرت فيها دول الخليج كثيراً خلال السنوات الماضية، لتجد نفسها اليوم أكثر استعداداً لمواجهة عواصف كانت كفيلة في الماضي بإرباك الاقتصاد العالمي بأسره.