قطعة ثياب اشتريتها بعد أن جذبتني وهي معروضة في أحد محلات الملابس، وبعد أن وصلت إلى البيت علقتها بانتظار مناسبة تستحق أن تلبس لها هذه القطعة، فمرت الأيام والقطعة معلقة كما هي تنتظر اليوم الذي لم يأتِ بَعد، إنها ليست قطعة قماش، بل هي صورة مصغرة لحياتنا وطريقة عيشها، نحتفظ بأفضل ما لدينا للحظة نظنها أجمل وأرقى من حاضرنا، فيمر حاضرنا دون أن نستمتع بما لدينا، بينما ما لدينا يذوب ويذبل في مخبئه دون أن نلمسه.
كم مرة قلنا لأنفسنا عبارات مثل: سأفعل ذلك بمجرد أن تهدأ الظروف، وأزور فلاناً وفلانة بمجرد أن يخف ضغط العمل، وسأسافر بعد أن يتخرج ابني، إلا أن الظروف لم تهدأ، وضغط العمل لم يخف، وتخرج الابن، لكن ظهرت التزامات أخرى، فصارت حياتنا مؤجلة، حتى وصلنا إلى مرحلة لا تهمنا فيها الظروف العامة، لأن ظروفنا أشد وأصعب، وضغط العمل انتهى؛ لأننا خرجنا من العمل بسبب عدم قدرتنا عليه، والالتزامات انتهت وأصبحنا نحن التزاماً على آخرين، وبقي ما أجلناه مؤجلاً إلى موعد مجهول، وسبب كل ذلك أن كل واحد منا في داخله قناعة لا يجرؤ على التصريح بها، وهي أن الحياة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن ما نعيشه الآن هو مجرد مرحلة مؤقتة سنجتازها على عجل، لتبدأ بعدها الحياة الحقيقية، والمراحل عبارة عن منعطفات، سداد القرض، شراء البيت، تخرج الأولاد، زواج الأولاد، وكلما اقتربنا من نهاية منعطف تحرك إلى الأمام، وبعد أن نجتازه يظهر منعطف آخر، ولا نشعر إلا ونحن في آخر الطريق، فنكتشف أن الحياة الحقيقية هي الحياة التي مضت ولم نعشها، وما كنا نؤمل النفس فيها، هي وهم، هذا ليس ضرباً من ضروب الفلسفة، إنما هو واقعنا، نشعر في داخلنا أن السعادة والفرح يحتاجان إلى موافقة وإذن، وأن الراحة لا نستحقها إلا بعد تحقيق كل الالتزامات، نشعر أننا نؤجل؛ لأننا ندير أمورنا بشكل جيد وبحسابات دقيقة - وربما يصدق ذلك – لكن التأجيل يتكرر فيتحول إلى عادة نفسية، فإذا فرحنا وسعدنا قليلاً نشعر بتأنيب الضمير، وكأننا سرقنا هذه اللحظات.
لا أقول علينا التحرر من الالتزامات والأعباء، لأن هذا غير ممكن، لكن علينا أن نعرف أن ما نعيشه هو الحياة الحقيقية، وهي مليئة بالمشكلات، وانتظارنا لحياة خالية منها، أمر من الخيال، وعلينا أن نعيش حياتنا بمشكلاتها كما هي، ونصنع لأنفسنا مساحات للحياة داخل المشكلة نفسها، وألا ننتظر نهايتنا لنعيش، فيمكن أن نلبس الجديد في يوم عادي بدون مناسبة، فكل يوم نعيشه هو مناسبة.