سؤال شغل الكثيرين لماذا يهتم النظام الإيراني بحفظ ماء وجهه إلى هذه الدرجة؟ قصة الـ 300 مليار دولار، أو أي قصة أخرى تجد ماكنة إعلامه تعمل على نشرها والتفاعل حولها، كلها وسائل يقوم بها النظام الإيراني حتى يحتفظ بصورة النظام المنصور نصراً ربانياً فلا يُهزم.

النظام الإيراني حريص على صورته إلى درجة أنه ممكن أن يلغي الاتفاق مع ترامب لو أن ما يُنشر إعلامياً ممكن أن يؤثر عليها أمام تابعيه؟

وهذا ما فعله أكثر من مرة مع ترامب؛ لأن ترامب يتقصد فضح النظام وتعريته وتسجيل النقاط عليه أكثر من حرصه على إبرام الاتفاق، فالآخر هو أيضاً يهتم بصورته، إنما اهتمام ترامب من باب التفاخر، ولكن اهتمام إيران بالثورة؛ لأنها أحد أعمدة بقائه، فدون تلك الصورة لا يعود النظام الإيراني غير متصل بالله (تنزه الله عما يقولون).

النظام الإيراني مستعد للتنازلات، مستعد للتخلي عن أي شيء مقابل بقائه، بشرط أن لا تنشر تلك التنازلات على شعبه وأتباعه من العرب، وبشرط أن تترك له حرية نشر السردية التي يريدها، وترامب كما نرى لم يترك له مجالاً لتمرير الصورة التي يعمل على تسويقها، إلا هذه المرة، إذ يبدو أن شرطاً من شروط التوقيع أن لا يتحدث ترامب عن البنود قبل توقيعها.

ذلك منطقي بالنسبة لإيران؛ لأنه نظام لديه مشروع قائم ومبني، ويعتمد اعتماداً كلياً على سرديته، وعلى رواية رسمت له صورة معينة عند شعبه وتابعيه من العرب، ومن خلالها شرعن ذلك المشروع، فإن اهتزت هذه السردية انفض عنه الجمع، دون تلك الصورة لا يمكنه البقاء والاستمرار.

فلا يظن أحد أن صورة النظام الإيراني أقل أهمية عنده من تخصيب اليوارنيوم، الاثنان يحتاجهما النظام لمشروعه التوسعي، وصورته تزيد في أهميتها على أهمية امتلاك سلاح نووي.

فمن خلال صورته الخارقة نجح في جمع والتفاف جزء كبير من شيعة العالم العربي، وجزء كبير من المجتمع الإيراني، فإن أنت أزلت تلك الصورة، أو كشفت عن عيوبها، فإن هذا الجمع سينفض من حوله، فلا تعد لديه أهم أدواته وهم مريدوه وأتباعه، فمن سينفذ له مشروعه؟

جميع أصحاب القرار في إيران الآن مستمرون في مواقعهم بفضل تلك الصورة الخارقة التي لا تهزم، مستفيدين مادياً وسياسياً من هذه الصورة وتلك الهالة.

هذه الاستماتة في الاحتفاظ وتسويق صورة المنتصر ليس القصد منها الاحتفاظ بماء الوجه كما يروج، بل القصد منها الاحتفاظ بالأتباع، والاستمرار في التفاف مريديه حوله، حتى لا ينفضوا من حوله، ذلك ما يخشاه ويخافه، ويتساوى عنده فقد مريديه مع فقده لليورانيوم المخصب.

وأين تتعقد المشكلة أكثر في مواجهة الحقائق، تتعقد حين ندرك أن مريديه سواء المتشددين من الإيرانيين أو العرب التابعين له يتنفسون من تلك «الصورة»، وارتبط وجودهم وأحلامهم ومستقبلهم بتلك الصورة لإيران الخارقة التي لا تنهزم وبأن الله يحميها، يشعرون بأنهم محميون بفضل لحاقهم وتبعيتهم لتلك الصورة.

إنك أمام تخادم قائم على الوهم، صاحب الصورة حريص على بقائها كما هي مبهرة منتصرة في حماية الله، وتابعها حريص عليها أكثر فلا يجد له قيمة دونها، لقد قطع حباله مع كل من حوله، وتعلق بتلك الصورة، فكيف تحاول أن تنزعها منهما؟

سينتصر إلى سردية أن إيران أنها انتصرت؛ لأنه رغبته ولأنها تعني له بقاءه وتماسكه، الرغبة وليست الحقائق، الأمنية وليست الوقائع، وبناء عليها يجري تفسير بنود الاتفاق، وتحديد مقاييس الانتصار والانهزام، فالتفسيرات والمقاييس كلها خاضعة للرغبة.

صاحب الصورة والتابع يتحكمان في الإنارة والتعتيم وفقاً لرغباتهما المتبادلة والمشتركة.

فهل تنتظر جدالاً منطقياً معهما؟ هل تنتظر عرض الحقائق والوقائع منهما؟

لا تتعب نفسك.