في حديث ذي شجون مع أحد الأحبّة من دول الخليج الشقيقة قبل شهور، بادرني بثناء عطِر وإعجاب عميق بما لمسه في مملكتنا من تطور حضاري في المنابر الدينية؛ إذ خصّ بالذكر صلاته للجمعة في جامع «يتيم» بسوق المنامة، مُبدياً انبهاره الشديد بتخصيص جامع للخطبة باللغتين العربية والإنجليزية، ومؤكداً أن أداء الخطيب وقوة لغته وطلاقتها أبهرتاه، لتضعاه أمام شخصية تمتلك أدوات التأثير العالمية بروح إيمانية متقدة. حينها تبسمتُ وأجبته بكل فخر: «هذا هو الشيخ أبو مجاهد، سلطان بلال.. ابن الرفاع الشرقي، وابن الفريج الذي تربينا فيه».

لم يكن الشيخ سلطان مجرد خطيب مفوه، بل كان داعية ربانياً أفنى عمره في خدمة الإسلام، متخذاً من مركز «ديسكفر إسلام» ميداناً لنشر الكلمة الطيبة بين الجاليات، بلسان طلق وقلب نقي.

في يوم الخميس الماضي، وبينما كان يؤدي سُنة صلاة الظهر، اختار الله لروحه الطاهرة أن تصعد إليه وهي في أشرف المواضع؛ «ساجداً» بين يدي خالقه، وكأنه يختم مسيرة الدعوة والبذل بأصدق مشهد للمؤمنين. وفي يوم الجمعة، شهدت «الحنينية» مشهداً مهيباً للوفاء؛ فقد امتلأت المقبرة عن بكرة أبيها، وتوافدت جموع غفيرة لتوديع «ابن الفريج» الذي اتسع قلبه للجميع.

لم تكن الدموع وحدها ما ملأ الأجواء، بل ذلك التفاعل العفوي الذي ضجّت به وسائل التواصل؛ فهذا يذكر خطبه المؤثرة، وذاك يستحضر دروسه، وآخر يروي مواقف إرشاده في الحج أو جلساته الأخوية التي كان يمزج فيها بين التوجيه الشرعي والحكمة الحياتية، أو صديق أو زميل عمل في شركة بابكو البحرين حينما كان مهندساً فيها ونشط في نقابتها، واضعاً يده على جروح الناس بدواء الكلمة الحانية.

لقد كان الشيخ سلطان تجسيداً حياً لمعنى «الأثر الباقي»؛ فلم يترك خلفه كراسي أو مناصب يتكالب عليها الآخرون، بل ترك في القلوب رصيداً من المحبة الصادقة التي لا تبلى، والعمل الصالح الذي يسبقه إلى قبره. إن رحيله يضعنا جميعاً أمام مرآة أنفسنا؛ رسالة حيّة لكل غيور على وطنه ودينه، بأن الإخلاص هو العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها مهما تغيرت الظروف، وبأن بصمة المرء في الحياة لا تُكتب بالحبر، بل بالمواقف التي تلمس أرواح الناس، وبالصدق الذي يجعل المرء يعيش في ذاكرة الآخرين طويلاً بعد غيابه. رحم الله من غرس فينا أن الحياة ليست في طولها، بل في ثبات الأثر ونقاء السريرة.

همسة

إن الرؤية الاستراتيجية للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والإدارة العامة للأوقاف السنية تفرض علينا الإشادة بقرار تخصيص جامع «يتيم» منبراً ناطقاً بالإنجليزية في صلاة الجمعة؛ فهي ليست مجرد مبادرة تنظيمية، بل ترجمة لوعي حضاري يدرك أن إيصال رسالة الإسلام السامية يقتضي مخاطبة عقول العالم بلغة العصر. هذا الحرص على شمولية الخطاب يؤكد أن بيوت الله في مملكتنا ستظل دائماً جسوراً عالمية للقيم الإنسانية والوسطية، تفتح أبوابها وقلوبها للجميع.