في الذاكرة البحرينية، لم يكن موسم عاشوراء يُختزل في مواكب أو مجالس أو مظاهر اجتماعية؛ بل كان جزءاً من وجدان المجتمع، وملمحاً من ملامح التعدد الذي عرفت به البحرين منذ زمن طويل. ففي هذه الأرض الصغيرة بحجمها، الكبيرة بتجربتها الإنسانية، تعايشت المساجد والمآتم والكنائس والمعابد في فضاء واحد، لا لأن الاختلاف غاب، بل لأن الحكمة البحرينية كانت دائماً أوسع من الاختلاف، وأقدر على تحويل التنوع إلى قيمة وطنية لا إلى ساحة صراع.

ولعل ما يجعل موسم عاشوراء هذا العام أكثر خصوصية وحساسية، أنه يأتي في ظل ظروف إقليمية دقيقة، تسعى خلالها بعض المشاريع الخارجية إلى توظيف الخطاب الديني واستثمار العاطفة الدينية لصناعة ولاءات لا تنسجم مع مقتضيات المواطنة ولا مع الهوية البحرينية الجامعة. وهنا تبرز أهمية الوعي الوطني في أن يبقى هذا الموسم شعيرة دينية مصانة، ومناسبة إنسانية راقية، ومساحة للتعبير المسؤول. فالبحرين التي احترمت التعدد، ورعت الحريات الدينية، وفتحت المجال لممارسة الشعائر في أجواء آمنة، لا يستقيم في المقابل أن تتحول هذه المساحة المحفوظة بالقانون إلى منفذ للإساءة إلى الوحدة الوطنية أو المساس بالثوابت الوطنية.

إن جوهر المسألة لا يتعلق بممارسة الشعيرة، فهذه مكفولة ومصانة، وإنما يتعلق بحماية الشعيرة ذاتها من الاختطاف والتشويه. فحين يُزج باسم عاشوراء في خطاب يتجاوز حدود الوطن، أو حين تُختطف هذه الرمزية الروحية وتُحوَّل إلى وسيلة لتمرير رسائل لا تشبه البحرين ولا تاريخ أهلها، فإن الخاسر الأول هي قدسية المناسبة، وصورة المأتم، وثقة المجتمع، ورسالة عاشوراء نفسها. فعاشوراء في معناها الأصيل قيمة إصلاح وعدل ووفاء، وهذه القيم لا تنفصل عن احترام الوطن وصون وحدته وحماية سلمه الأهلي. فالمواطنة هي الإطار الأخلاقي والقانوني الذي يحمي التدين من الفوضى والتوظيف والانحراف.

ولذلك فإن مسؤولية رؤساء المآتم والخطباء ومسؤولي المواكب في هذا الموسم هي مسؤولية وطنية وتربوية وثقافية. فالمأتم ليس مكانًا للعزاء فقط، بل منبر وعي، ومؤسسة اجتماعية قادرة على توجيه الشباب نحو الفهم الصحيح لمعاني الإصلاح والوفاء. ومن واجب هذا المنبر أن يقول بوضوح إن حب آل البيت لا يتعارض مع حب البحرين، وإن إحياء الذكرى لا يكتمل إلا باحترام القانون والنظام العام، وإن التعبير الديني لا يسمو إلا حين يكون منضبطاً، نقياً، بعيداً عن التحريض والتسييس.

كما أن التعليمات المنظمة للموسم يجب ألا تُقرأ باعتبارها تضييقاً، بل باعتبارها ضمانة لنجاحه واستمراره في صورته الحضارية. فتنظيم المواكب، وضبط المسارات، والالتزام بمواعيد الانتهاء، ومراعاة السلامة العامة، وحفظ النظام، كلها تفاصيل قد تبدو تنظيمية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تعبير عن نضج المجتمع، واحترامه لحقوق الآخرين، وحرصه على أن تمر المناسبة بروحانيتها ووقارها من دون أن تتحول إلى مصدر توتر أو تجاوز.

البحرين اليوم، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وبدعم ومساندة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، قدمت نموذجاً واضحاً في رعاية الحريات الدينية ضمن دولة القانون والمؤسسات. وهذا النموذج لا يكتمل بجهد الدولة وحدها، بل بتعاون المجتمع، ووعي القائمين على المآتم، ومسؤولية الخطباء، وانضباط المشاركين، وتقدير المواطنين جميعًا لحساسية المرحلة ودقة الظروف.

إن عاشوراء البحرين يجب أن تبقى بحرينية الروح والهوية، دينية المعنى، وطنية السلوك، إنسانية الرسالة. وهي تأتي هذا العام في ظل ما تشهده المملكة من تلاحم صادق وولاء راسخ والتفاف واعٍ حول قيادتها الرشيدة؛ لتكون فرصة أخرى لتأكيد أن البحرين بيت واحد، وأن اختلاف المذاهب لا يلغي وحدة المصير، وأن قدسية الشعائر تزداد رفعة حين تصان من التوظيف السياسي، وتحيا في ظل القانون، وتتنفس بروح الوطن. فالوطن الذي يحمي حرية العبادة يستحق من الجميع أن يحموه بالوعي والانضباط والوفاء.