عندما تدخل بعض المؤسسات والشركات ترى بعض الموظفين منحنين مخفضي رؤوسهم، وينظرون لشاشة هاتفهم، فهم منشغلون بوسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من حياة الإنسان المعاصر، فهي وسيلة للتواصل، ومصدر للأخبار، وأداة للترفيه، وفي بعض الأحيان منصة للعمل والتسويق. ومع هذا الحضور القوي في الحياة اليومية، يبرز سؤال مهم في بيئة العمل الحديثة: هل تُشتّت وسائل التواصل الاجتماعي تركيز الموظف، وتؤثر على إنتاجيته وتفاعله المباشر مع الجمهور؟
في الواقع، لا يمكن إنكار أن هذه الوسائل قد أصبحت من أكثر العوامل التي تنافس انتباه الإنسان خلال يومه العملي. فالموظف الذي يجلس أمام شاشة الحاسوب، غالباً ما يكون هاتفه بجانبه، تتوالى عليه الإشعارات من تطبيقات مثل واتساب، إنستغرام، أو إكس. هذه الإشعارات، وإن بدت بسيطة، إلا أنها تقطع سلسلة التركيز الذهني، وتجعل العودة إلى العمل بنفس الكفاءة أمراً يحتاج إلى وقت وجهد إضافي.
تشير العديد من الدراسات في علم النفس المعرفي إلى أن الدماغ البشري لا يؤدي مهام متعددة بكفاءة في الوقت نفسه ، بل يقوم بالتنقل السريع بين المهام، وهو ما يُعرف بـ” تبديل الانتباه “. هذا التبديل المتكرر بين العمل والإشعارات يقلل من جودة الأداء، ويزيد من الأخطاء، ويؤخر إنجاز المهام. وبالتالي، فإن مجرد تفقد سريع لرسالة أو إشعار قد يبدو غير مؤثر، لكنه في الحقيقة يقطع تدفق التركيز ويضعف الإنتاجية بشكل تراكمي.
لكن في المقابل، لا يمكن النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنها عدو مطلق للموظف أو للعمل. فهي في كثير من الحالات تُستخدم كأداة ضرورية للتواصل المهني، خصوصاً في الشركات الحديثة التي تعتمد على فرق عمل عن بُعد أو مشاريع رقمية. منصات مثل لينكدإن، أو حتى مجموعات العمل على واتساب وتيليغرام، أصبحت وسيلة لتنظيم العمل وتبادل المعلومات بسرعة. هنا يتحول تأثيرها من عامل تشتيت إلى أداة مساعدة، بشرط استخدامها بوعي وانضباط.
المشكلة الأساسية لا تكمن في الوسيلة نفسها، بل في طريقة استخدامها. فالموظف الذي لا يضع حدوداً واضحة بين وقت العمل ووقت الترفيه، يجد نفسه بشكل تلقائي منجذباً لتصفح المحتوى غير المرتبط بالعمل. ومع تكرار هذا السلوك، تتشكل عادة يصعب كسرها، حيث يصبح العقل معتاداً على البحث عن التحفيز السريع بدل التركيز العميق.
ومن جانب آخر، تلعب بيئة العمل دوراً مهماً في تقليل هذا التشتت أو زيادته. فالشركات التي توفر نظام عمل منظم، وتضع قواعد واضحة لاستخدام الهواتف أو الإنترنت، تساعد الموظفين على التركيز بشكل أكبر. كما أن بعض المؤسسات بدأت تعتمد على تقنيات “إدارة الوقت الرقمي”، مثل إيقاف الإشعارات خلال ساعات العمل، أو تخصيص فترات محددة لتفقد الرسائل، مما يحقق توازناً بين التواصل والإنتاجية.
ولا يمكن إغفال العامل النفسي أيضاً، إذ إن بعض الموظفين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للهروب من ضغط العمل أو الملل. في هذه الحالة، يصبح الانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي نتيجة، وليس سبباً فقط، إذ ينتج ذلك بسبب شعور بعدم الرضا أو نقص التحفيز داخل بيئة العمل. لذلك، فإن معالجة المشكلة لا تقتصر على منع الاستخدام، بل تشمل أيضاً تحسين بيئة العمل وتحفيز الموظفين نفسياً.
نعم.. إن وسائل التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين. فهي من جهة توفر أدوات تواصل فعّالة وسريعة، ومن جهة أخرى قد تُضعف التركيز إذا أسيء استخدامها. الحل لا يكمن في الابتعاد الكامل عنها، بل في إدارتها بذكاء، ووضع حدود واضحة بين ما هو ضروري وما هو مشتت. فالموظف الناجح في العصر الرقمي ليس من يتجنب هذه الوسائل، بل من يعرف كيف يستخدمها دون أن تسمح له بالسيطرة على وقته وتركيزه.. ودمتم سالمين.