تمثل قضية الباحثين عن العمل واحدة من أهم القضايا الوطنية التي تستوجب تضافر جهود الجميع، فهي ليست مسؤولية جهة بعينها تقوم بتقديم حلول مؤقتة أو مرحلية؛ لكنها مسؤولية وطنية جامعة، تتشارك فيها الحكومة والسلطة التشريعية والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والمجتمع أجمع.

فكل شاب أو شابة يبحث عن فرصة عمل كريمة هو جزء من حاضر الوطن ومستقبله، ونجاحه في الحصول على وظيفة مناسبة هو نجاح للمجتمع والاقتصاد الوطني.

إننا بحاجة لمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، فالتطورات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة تفرض علينا مراجعة مستمرة للبرامج التعليمية والتدريبية لضمان تزويد الشباب بالمهارات المطلوبة في مختلف القطاعات الواعدة، فإن ربط التخصصات الأكاديمية باحتياجات السوق يمثلان حجر الأساس في بناء جيل قادر على المنافسة والإنتاج والمساهمة في التنمية الوطنية.

كما أن التدريب والتأهيل المهني يشكلان جسراً حقيقياً بين الدراسة والعمل، فالكثير من أصحاب الأعمال يبحثون عن الخبرة العملية والمهارات التطبيقية إلى جانب المؤهلات العلمية، الأمر الذي يجعل من الضروري التوسع في برامج التدريب العملي والتخصصي في مجالات الكهرباء والطاقة والصيانة والميكانيكا بالتوازي مع التخصصات العلمية.

وفي الوقت ذاته لابد من تعزيز ثقافة ريادة الأعمال وتشجيع الشباب على تأسيس مشاريعهم الخاصة؛ فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة أصبحت اليوم ركيزة أساسية في الاقتصادات الحديثة وتسهم في خلق فرص عمل جديدة، والتي بدورها سهم في تنشيط الحركة الاقتصادية.

وتبقى الشراكة الفاعلة بين القطاعين العام والخاص من أهم عوامل النجاح في معالجة ملف الباحثين عن العمل في القطاع الخاص، حيث يمثل المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي وخلق الوظائف بينما يقع على عاتق الجهات الحكومية والتشريعية وضع السياسات والتشريعات التي تهيئ البيئة المناسبة للتوظيف والاستثمار. وعندما تتكامل الأدوار يصبح من الممكن تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة تعود بالنفع على الجميع، إذ إننا بحاجة إلى تطوير المنظومة التشريعية بما يحفظ حقوق المواطن البحريني في سوق العمل، ويعزز فرصه في الحصول على الوظائف المناسبة؛ فالمنافسة غير المتكافئة الناتجة عن الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة وغير المؤهلة في بعض القطاعات، قد تؤدي إلى إضعاف فرص التوظيف للمواطنين والضغط على مستويات الأجور والإنتاجية، والمطلوب هو إيجاد توازن عادل يضمن الاستفادة من الخبرات والكفاءات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، هذا التوازن يحفظ حق المواطن البحريني في الأولوية بالتوظيف، ويعزز قدرته على المنافسة في سوق العمل.

إن قضية الباحثين عن العمل ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل هي قضية ترتبط بالاستقرار الأسري والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؛ ولذلك فإن التعامل معها يجب أن يكون من منظور وطني شامل يضع الإنسان البحريني في قلب عملية التنمية، ويؤمن بأن تمكين المواطن وفتح آفاق المستقبل أمامه هو الطريق الأقصر نحو وطن أكثر استقراراً وازدهاراً.

ومن هنا، فإن الواجب الوطني يحتّم علينا جميعاً أن نجعل من ملف الباحثين عن العمل أولوية مستمرة، وأن نعمل بروح الشراكة والمسؤولية لتحقيق تطلعات شبابنا، فهم الثروة الحقيقية للوطن.