عند الحديث عن الاقتصاد، يتبادر إلى الأذهان عادةً المستثمرون ورجال الأعمال والأسواق والبنوك، لكن لا يلتفت كثيرون إلى الدور المحوري الذي تلعبه البرلمانات في صناعة البيئة الاقتصادية، وترسيخ العلاقات الاقتصادية والإنمائية بين الدول، فالقوانين التي تشجع الاستثمار، والتشريعات التي تحمي المنافسة، والرقابة التي تضمن كفاءة الإنفاق العام، كلها تبدأ من تحت قبة البرلمان لتنعكس على حياة الناس وفرص العمل ومستوى المعيشة.

من هنا تكتسب المنتديات البرلمانية الاقتصادية أهمية متزايدة، خصوصاً في ظل عالم يواجه تحديات معقدة ومتسارعة، حيث إن الحوار بين البرلمانيين لم يعد شأناً سياسياً وتشريعياً فقط، بل أصبح جزءاً من البحث عن حلول اقتصادية مشتركة لقضايا التنمية والاستثمار والأمن الغذائي والتحول الرقمي والاستدامة، وهو ما هدف إليه منتدى مراكش الاقتصادي البرلماني للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج، والذي يُعقد في دورته الرابعة بالمملكة المغربية، ليتحول إلى منصة تجمع الرؤى البرلمانية من أجل بناء شراكات أكثر فاعلية بين الدول.

ولاشك؛ فإن مشاركة مملكة البحرين بوفد برلماني رفيع المستوى تحمل دلالة مهمة، تعكس الإدراك المتزايد بأن العمل البرلماني لم يعد محصوراً في الشأن الداخلي، بل أصبح يمتد إلى فضاءات أوسع تُسهم في دعم المصالح الوطنية وتعزيز الحضور البحريني في النقاشات الاقتصادية الإقليمية والدولية، حيث إن التنمية اليوم لا تصنعها الحكومات وحدها، بل هي نتاج شراكة متكاملة يكون البرلمان أحد أبرز أطرافها.

ولعل ما طرحه رئيس مجلس النواب أمام المنتدى يعكس بوضوح هذا التحول في مفهوم العمل البرلماني، حيث لم يتناول الاقتصاد باعتباره أرقاماً ومؤشرات مجردة، بل باعتباره نتاجاً مباشراً للاستقرار السياسي والأمني، وللقدرة على بناء شراكات إقليمية ودولية قائمة على المصالح المشتركة.

وما يلفت الانتباه في الطرح البحريني هو التأكيد على أن الأمن الاقتصادي لم يعد قضية منفصلة عن الأمن السياسي أو البحري، فالعالم الذي يعتمد على سلاسل إمداد مترابطة وأسواق مفتوحة، لا يستطيع تحمّل أي اضطراب في الممرات البحرية أو مصادر الطاقة.

ومن هنا تصبح حماية طرق التجارة وحرية الملاحة مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود الدول والمناطق، لأنها تمسّ استقرار الاقتصاد العالمي بأكمله.

وأخيراً؛ فإن منتدى مراكش الاقتصادي البرلماني لا يمثل مجرد مناسبة لتبادل الكلمات والخطب، بل يعكس اتجاهاً متنامياً نحو توظيف الدبلوماسية البرلمانية في خدمة التنمية الاقتصادية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً مع تصاعد التحديات العالمية، حيث تبدو الحاجة إلى هذا النوع من الحوار والتنسيق البرلماني أكبر من أي وقت مضى، لأن مستقبل الاقتصادات لم يعد يُصنع في الأسواق وحدها، بل أيضاً في قاعات الحوار التي تبحث عن أرضية مشتركة لمستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للجميع.