يبدو أن المنطقة عادت سريعاً إلى نقطة الصفر، فالاتفاق الذي وقّعته واشنطن وطهران حمل اسماً كبيراً، بينما حمل مضمونه هدنة مؤقتة تؤجل الأسئلة الثقيلة إلى ستين يوماً أخرى، فالبرنامج النووي بقي معلقاً، ومصير اليورانيوم المخصّب ينتظر التفاوض، ورفع العقوبات دخل جدول الوعود، فيما حصلت إيران على فتح باب تصدير النفط والإفراج عن أصولها المجمّدة.

وقبل أن يجفّ حبر التوقيع، أُلغيت المفاوضات المقررة في سويسرا بسبب اشتعال جبهة لبنان، فسقط أول اختبار حقيقي للاتفاق خلال يومين، واتضح أن الطريق بين التوقيع والتنفيذ يمر عبر ساحات تملك أطراف أخرى مفاتيحها.

هنا يظهر بنيامين نتنياهو، الذي يدرك أن استمرار الاتفاق سيمنح طهران فرصة للخروج من الحرب واستعادة شيء من قوتها الاقتصادية، ولهذا ستتحول جبهة لبنان إلى أداته الأكثر فاعلية في إرباك التفاهم، فكل ضربة إسرائيلية تستدعي رداً من حزب الله، وكل رد يُعيد واشنطن وطهران إلى لغة التهديد، وقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية بقاء قواتها في جنوب لبنان، فيما أكد وزراء في ائتلاف نتنياهو أنهم غير ملتزمين ببنود الاتفاق.

تدعم الوقائع هذه القراءة، فوقف القتال في لبنان شرط لاستمرار التفاهم الأمريكي الإيراني، وقد نجح التصعيد هناك في تعطيل أول جولة تفاوضية، وهكذا يستطيع نتنياهو الضغط على الاتفاق من خارج غرف التفاوض، مستخدماً لبنان لإعادة الملف الإيراني إلى الميدان كلما اقترب من التسوية، وذلك بحجة أمن «إسرائيل».

أما الخطر الأعمق فيأتي من المساحة التي تركها الاتفاق فارغة، فملف الجماعات المرتبطة بإيران خرج من بنوده، وأكد مسؤولون إيرانيون أن دعم ما يسمونه «جماعات المقاومة» خارج النقاش، وفي اليوم ذاته، كشف تقرير أمني استقصائي لوكالة رويترز، استناداً إلى مصادر عسكرية واتصالات جرى اعتراضها، عن خلايا عراقية صغيرة مرتبطة مباشرة بالحرس الثوري، نفذت هجمات بطائرات مسيّرة ضد دول خليجية.

يعني ذلك أن طهران تستطيع الالتزام بالنص الرسمي، ثم تواصل الضغط عبر جماعات تعمل بأسماء جديدة ومسارات يصعب تتبعها، وهذه الثغرة وحدها تكفي لإبقاء الخليج داخل دائرة الخطر، مهما بدت صور المصافحة مطمئنة.

وتصبح المفارقة أكثر قسوة عند قراءة الجانب الاقتصادي، فقد تضمّنت المذكرة إعداد خطة لإعادة إعمار إيران وتنميتها بقيمة تبدأ من 300 مليار دولار، إلى جانب إتاحة أصولها المجمّدة، بينما غاب حق الدول الخليجية في التعويض عن الأضرار التي أصابت منشآتها واقتصاداتها.

وتشير التقديرات إلى أن إصلاح منشآت الطاقة الخليجية المتضررة قد يكلف نحو 58 مليار دولار، مع خسارة تراكمية محتملة تساوي 7% من الناتج الاقتصادي الخليجي خلال خمس سنوات، وتتحمّل البحرين عبئاً حساساً بسبب ارتباط إيراداتها بصادرات النفط والألمنيوم واعتمادها على مضيق هرمز.

ولهذا تصبح المطالبة بالتعويض جزءاً أصيلاً من أي اتفاق نهائي، وكما أسلفنا في عمود سابق بأنه يجب أن تبدأ البحرين بتشكيل لجنة وطنية لحصر الأضرار وتوثيق الخسائر، ثم ينتقل الملف إلى إطار خليجي موحّد يطالب بآلية دولية ممولة من الأصول الإيرانية المجمّدة.

وتقدّم تجربة لجنة الأمم المتحدة لتعويضات الكويت نموذجاً حاضراً، فقد دفعت 52.4 مليار دولار لنحو 1.5 مليون مطالبة ناجحة، بعد توثيق الأضرار وتقييمها ضمن مسار قانوني طويل.

نعم، عدنا إلى نقطة الصفر، فواشنطن أوقفت النار مؤقتاً وتركت أصعب الملفات للأيام المقبلة، واحتفظت طهران بأوراقها الإقليمية، فيما وُضع الخليج مرة أخرى أمام الفاتورة، ولهذا يجب أن يدخل التعويض إلى طاولة التفاوض قبل أن تتحول خسائرنا إلى بند منسي في اتفاق يُعيد إعمار إيران.