أكتب هذه السطور من قلب المنامة، فيما تنعكس ناطحات السحاب على زجاج المباني والفنادق الفاخرة، وتعج الأسواق والشوارع بالحياة، ويرفرف علم البحرين فوق مملكة مستقرة تعرف جيداً من تكون. وبينما كنت أحتسي قهوتي، مرّ غرابٌ منهك يحمل في منقاره قصاصة ورقية محترقة الأطراف، ولا أدري إن كان لايزال يعمل لدى صاحبه القديم الذي تمّت تصفيته في افتتاحية الـ28 من فبراير، أم أن أحداً ورثه، أم أنه مازال يحلّق تائهاً يردّد ما حفظه من نعيق بعدما فقد من كان يُطعمه. لكنني حين التقطت القصاصة، لم أحتج إلى قراءتها، فقد كان الغراب كافياً لمعرفة المصدر. كانت مقالاً جديداً من صحيفة «كيهان».

المشكلة في المدعو «حسين شريعتمداري» ليست أنه أساء إلى البحرين، فالبحرين أكبر من أن تهتز أمام مقال، وأرسخ من أن ينازعها أحد على هويتها أو سيادتها. الحقيقة أن مشكلته مع الواقع. فحين تعجز الأيديولوجيا عن إقناع الشعب، تلجأ إلى اختراع ادعاءات بديلة. وقبل أن ينشغل شريعتمداري بتوزيع الأوطان والأوهام على الآخرين، عليه أن يلتفت قليلاً إلى ما تبقى من شعبه المضطهد، فالإيرانيون الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالحرية والعدالة والعيش بكرامة، لم يهتفوا من أجل خرائط وهمية جديدة، بل من أجل رغيف خبز ووظائف وفرص ومستقبل أفضل. ولم يواجهوا الرصاص والاعتقالات والإعدامات لأنهم اختلفوا مع جيرانهم، بل لأنهم تمنّوا حياة كريمة تشبه جيرانهم.

ولعل أكثر ما يُثير الأسى أن المواطن الإيراني المكلوم، لا تشغله البحرين بل يشغله مستقبله، ويحلم بأن يرى في طهران بعض ما يراه العالم في المنامة. يحلم باستقرار لا تهدّده المغامرات، وباقتصاد لا تلتهمه العقوبات، وبفرص لا تصادرها الأيديولوجيا، وبحياة كريمة لا تصبح فيها الهجرة مشروعاً وطنياً غير معلن. تلك هي الحقيقة التي يحاول شريعتمداري الهروب منها، لأن الحديث عن الآخرين أسهل بكثير من الحديث عن معاناة شعبه الذي يسأل: متى نحصل نحن على وطن يوفر لنا ما وفرته قيادة البحرين لأبنائها؟

والأطرف أن هذا الحديث يصدر عن صحيفة تتبع للتيار ذاته الذي أمضى عقوداً وهو يحاول فرض نفوذه على المنطقة عبر الميليشيات والخلايا والشعارات العابرة للحدود. فحين فشلت محاولات تغيير الواقع، انتقلوا إلى محاولة تحريف التاريخ. وحين عجزوا عن إقناع الشعوب، قرروا التحدث باسمها. وحين سقطت أوهام التوسّع على صخرة الدول الوطنية، لم يبقَ أمامهم سوى المقالات والأوهام التي لا وجود لها إلا في رؤوس أصحابها.

ولعل نصيحة مجانية تفرض نفسها هنا. تلجأ بعض الجهات والمؤسسات حول العالم إلى مكاتب العلاقات العامة لتحسين صورتها أمام الرأي العام. فعليكم بتخصيص جزء يسير مما تبقى من الأموال التي أُنفقت على نشر الفوضى والعبث بأمن الدول، في محاولة متأخرة لتحسين صورتكم أمام العالم الذي ينبذكم.

لا أعلم حقيقةً كيف سيدفعون الفاتورة، بالتومان الذي يحتاج سفن شحن، بعد أن فقد من قيمته أكثر مما فقدوا من نفوذهم؟ أم بالدولار الذي أمضوا سنوات في شتمه ثم عادوا للبحث عنه كلما ضاقت بهم السُبل؟ لا أعلم. لكنني أعلم أن تحسين الصورة أسهل كثيراً من تحسين السجل، وأن تلميع السمعة أسهل كثيراً من محو آثار الخراب التي مازالت المنطقة تتذكر جيداً من زرع بذورها ورعاها ومولها.

أما البحرين، فلم تكن يوماً بحاجة إلى شهادة من «غُراب»، ولن تكون يوماً بحاجة إلى اعتراف من بائع أوهام. فالأوطان لا يوزّعها محرّرو كهنة المعبد الفارسي، والسيادة لا تمنحها المقالات. ستبقى البحرين خليفية عربية الهوية، بحرينية القرار، مرفوعة الرأس بعلمها وشعبها في ظل قيادة جلالة الملك المعظم، وتنتهي القصاصات كما تنتهي الأكاذيب دائماً، أما الحقيقة التي ستبقى، فهي أن من صادر إرادة شعبه لا يملك رفاهية الحديث باسم الشعوب.

فيصل العلي