ما بعد الأزمات الكبرى، لا تتوقف الدول عند حدود إدارة الحدث أو التعامل مع تبعاته الأمنية والاقتصادية فقط، بل تبدأ مرحلة أكثر عمقاً عبر صناعة سردية وطنية تعكس الحقيقة وتروى القصة، وحفظ الأحداث في ذاكرة ووجدان الأجيال القادمة.
ولا شك أن أي صمود سياسي أو عسكري لا يكتمل إلا إذا ترافق مع صمود المجتمع، في الشارع والبيت والميدان، فالأيام الصعبة التي عاشتها البحرين في مواجهة الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، لم تكن مجرد تقارير أمنية فقط؛ بل لحظات عكست أسمى معاني التلاحم الشعبي، حيث وقف الجميع، قيادة وشعباً، كجسد واحد في خندق الدفاع عن الوطن وأمنه واستقراره.
أمهات لم يتركن الدعاء لأبناء البحرين المرابطين، ورجال بواسل يحرسون الأرض والسماء بأرواحهم، ومجتمع كامل أثبت أن جبهة البحرين الداخلية، كانت ولا تزال وستظل، عصية على الانكسار أو التشرذم أو التخاذل أو التراجع.
في هذا السياق؛ جاء الأمر الملكي السامي من لدن حضرة صاحب الجلالة، الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، بإنشاء لجنة متخصصة لتوثيق هذه الملحمة، في خطوة تتجاوز البعد الإداري التقليدي إلى بناء أرشيف بحريني وطني نابض بالذاكرة المعاصرة، حيث إن الفكرة لم تكن مجرد جمع وقائع أو أرقام أو أرشفة جامدة للأحداث، بل هي صياغة رواية وطنية موثقة بالحقائق والأدلة، تسهم في تحويل كل هذه المشاعر الوطنية الشجاعة والتضحيات العفوية إلى إطار مؤسسي حقيقي قابل للحفظ والدراسة.
وفي اعتقادي، فإن أهمية هذه الخطوة بأنها تنقل نبض الشارع وتفاصيل التضحية والصمود اليومي من المجال الشفهي المعرض للنسيان، إلى فضاء الدولة الرسمي، لتتحول التجربة الإنسانية والأمنية إلى مادة حقيقية وموثقة، يمكن استثمارها والبناء عليها لاحقاً في المناهج التعليمية ورسائل الإعلام والبحث العلمي، وفي مثل هذه الحالات يصبح التوثيق جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني ذاته، لأنه يحمي الماضي، ويصون وعي الأجيال القادمة، ويحصنها ضد محاولات تزييف التاريخ.
وبالتأكيد فإن تشكيل لجنة تضم جهات متعددة يعكس الإدراك العميق والحقيقي بأن رواية ملحمة الصمود الوطني لا يمكن أن يتم كتابتها من زاوية واحدة، فالقصة بحاجة إلى مقاربة واسعة تجمع شهادات الميدان وبيانات المؤسسات وتلاحم المجتمع، لتعيد تركيب الصورة الكاملة بكل نزاهة واحترافية.
لذلك جاء الأمر الملكي السامي بإنشاء اللجنة بمثابة عهد وفاء لكل من ثبت وقدم التضحيات، ومساهمة حقيقية وواعية لتثبيت لحظة التلاحم التاريخية في الذاكرة الرسمية للدولة، لتظل منارة تضيء طريق المستقبل لسنوات وعقود قادمة.
وأخيراً؛ وبلا شك فإن هذا التوجه يأتي كترسيخ لفكرة أن حفظ الذاكرة الوطنية لا يندرج ضمن الترف التاريخي، بل جزءاً أصيلاً من بناء الدولة واستدامة الوعي المجتمع.