ما شهدته منطقتنا والبحرين خلال الأيام الماضية، يستدعي التفكير العميق في أزمة غلق مضيق هرمز، والقدرة على توفير السلع الأساسية للمواطنين، ولقد نجحت الحكومة بالتنسيق مع التجار في إدارة هذه الفترة العصيبة ولم نشعر خلالها -ولله الحمد- بأي نقص في السلع.. ولكن.
ماذا يمكن أن نفعل للوقاية المستقبلية من مثل هذه الأزمة.. وقد تتكرر في ظل وجود دولة تضمر لنا الشر في كل دقيقة وساعة ويوم؟
الإجابة دائماً تكمن في القدرة على إيجاد حلول «داخلية» يشارك المواطن بنفسه في تفعيلها، ولقد كان نموذج التعاونيات الاقتصادية أحد النماذج التي نجحت في العديد من الدول -وحتى البحرين-، لكنها مازالت محدودة النطاق والأثر، رغم قدرتها على تعزيز الاقتصاد الوطني بقوة كما حدث في الإمارات والمغرب وكندا، حيث نجحت جمعية الاتحاد التعاونية الإماراتية في توفير السلع المدعومة للمواطنين، وتضم حالياً 25 فرعاً وأكثر من 25 ألف مساهم بإيرادات تجاوزت 4 مليارات درهم في 2022.
وحقيقة، لم تكن الجمعية لتنجح إلا من خلال دعم حكومي ذكي سواء الأراضٍي بأسعار رمزية أو الامتيازات، وهو ما خفض تكلفة التشغيل، واستطاعت الجمعية التي انطلقت في ثمانينات القرن الماضي من كبح جماح الأسعار خلال موجات التضخم، وتوسعت لتستثمر في عقارات وأسواق إلكترونية، مما ولّد تدفقات نقدية مستقرة خارج النشاط الأساسي، ثم أُعيد ضخها في تحسين الخدمات.
ولا ننكر أن لدينا أيضاً نماذج وطنية من جمعيات تُدير سلسلة من الأسواق الاستهلاكية ويمتلك أسهمها آلاف المواطنين وتتبع نموذج المستهلك – المالك حيث تُوزع أرباح نهاية العام على المساهمين، بالإضافة إلى خصومات دورية على المشتريات، وأسهمت أيضاً في توظيف مئات البحرينيين.. فلماذا لم تتكرر التجربة في أنشطة أخرى، ولماذا لم تتوسع كنظيرتها في دول حولنا؟
لدينا اليوم وقفة حوار حول هذا النمط الاقتصادي الذي يؤكد أن التعاونيات ليست كيانات خيرية، بل شركات تنافسية تحمل مسؤولية مجتمعية لتحقيق رؤية البحرين 2030، التي تستهدف تنويع الاقتصاد الوطني والحفاظ على معدلات التضخم وتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي في مواجهة أي أزمة عالمية.
وتشريعياً فإن البحرين لديها بنية تحتية قانونية ممتازة في القانون رقم (49) لسنة 2015 بشأن الجمعيات التعاونية، ويمكن تفعيل المادة المتعلقة بـ»الجمعيات التعاونية المركزية» لإنشاء اتحاد مركزي للتعاونيات الاستهلاكية على غرار الاتحاد في الإمارات، بحيث يستطيع الاستيراد المباشر للسلع الأساسية.
لقد تمكنت جمعيات دولية أن تطور أعمالها لتمتلك مصانع للتبريد والتعبئة والتغليف، وحتى إنشاء بنوك -كما حدث في مجموعة ديجاردان بكندا- التي تخدم أكثر من 7.5 مليون عضو وعميل، وتدير أصولاً تتجاوز 400 مليار دولار كندي وتقدم خدمات مصرفية وتأمينية ووساطة مالية.. فلماذا لم تتطور جمعياتنا؟
ومن المؤكد أن التعاونيات ستخلق فرص عمل لائقة للشباب، ومن المتيقن منه أن «تمكين» سيتبنّى هذا النهج في سياق حاضنات الأعمال، بل إن كوادرنا التقنية تستطيع أيضاً تأسيس تعاونيات «رقمية» تضم مطورين ومقدمي خدمات الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، ولتبدأ من البحرين انطلاقة جديدة لتعاونيات المستقبل. الأفكار مفتوحة في هذا المجال، وتحتاج إلى عقد اجتماعات تتبناها الغرفة وتمكين للمجموعات التخصصية في كل نشاط، ووضع الأطر التأسيسية للانطلاق. ولعله خير، فمن الأزمات تولد الفرص.