ليس من الصعب كتابة تقرير عن التنمية، لكن الأهم أن يشعر الناس بثمارها في حياتهم اليومية، وهذا تحديداً ما يلفت الانتباه عند قراءة تقرير الاستعراض الوطني الطوعي الثالث لمملكة البحرين حول التقدم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، فرغم ما شهده العالم من تحديات؛ واصلت البحرين تنفيذ برامجها التنموية دون أن تجعل الظروف مبرراً للتراجع أو التأجيل.

ربما تكون هذه أهم الرسائل التي يحملها التقرير، والذي قدمته المملكة، قبل أربع سنوات من الموعد المستهدف، حيث تقف البحرين أمام مرحلة جديدة عنوانها الإنجاز، والبناء على ما تحقق، والاستثمار في الإنسان.

ما ألمسه شخصياً، كمواطنة وإعلامية تابعت هذا التحول على مدى سنوات، أن التنمية في البحرين أصبحت حاضرة في كل مناحي الحياة؛ طريقة تقديم الخدمات، وكفاءة المؤسسات، وسرعة إنجاز المعاملات، حتى باتت الخدمات الرقمية جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.

ولعل القطاع الصحي يقدم المثال الواضح على هذا التحول، فحين تكون البحرين أول دولة خارج الولايات المتحدة تنجح في علاج مرضى فقر الدم المنجلي باستخدام تقنية «كريسبر»، فالحديث لم يعد عن تطوير مستشفى أو شراء أجهزة، بل عن الدخول في مستقبل الطب، هذا الإنجاز وغيره ليس بعيداً عن حياة الناس، فكل مريض يحصل على علاج أكثر تطوراً، وكل أسرة تجد رعاية صحية أفضل، وكل طفل يولد بفرصة أكبر لحياة صحية، هو جزء من معنى التنمية المستدامة الذي نعيشه.

وفي التعليم أيضاً، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. فإدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس، واعتماد برامج البكالوريا الدولية في المدارس الحكومية، وإطلاق مقرر تصميم الألعاب الرقمية، وغيرها كثير من الإنجازات تمثل استثماراً حقيقياً في الجيل الذي سيقود اقتصاد المستقبل.

ولعل ما يلفت الانتباه أن الاستثمار لا يتوقف عند التعليم، حيث حصل عشرات الآلاف من الشباب على فرص عمل أو برامج تدريب وتأهيل، بينما تستعد المملكة لتدريب خمسين ألفاً على تقنيات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، وهو ما يعكس قصص نجاح حقيقية لشباب وجدوا الفرصة لدخول سوق العمل، أو لتطوير مهاراتهم، أو لتأسيس مشاريعهم.

ولم تقتصر النجاحات على الداخل، بل امتدت إلى الحضور على الساحة الدولية، حيث جاء انتخاب البحرين عضواً غير دائم في مجلس الأمن بأغلبية تاريخية ليعكس الثقة التي تحظى بها، ويؤكد أن التنمية لا تنفصل عن الدبلوماسية الفاعلة، وأن بناء الإنسان يسير جنباً إلى جنب مع تعزيز مكانة الدولة خارجياً.

وفي وقت تتنافس فيه الدول على الأرقام والمؤشرات، تبدو المسيرة البحرينية مختلفة؛ لأنها تراهن على الإنسان، فهو نقطة البداية وغاية التنمية، وتصبح التقارير الدولية مجرد شهادة على واقع يعيشه الناس وليس مجرد وثيقة.