بعض التهديدات لا تُعلن نفسها بصوت عالٍ، لكنها تعمل بصمت داخل بنية المجتمع والدولة.

لم تعد التهديدات التي تواجه الدول في المنطقة تُدار فقط عبر الحدود أو أدوات القوة التقليدية، بل باتت أكثر تعقيداً وخطورة، لأنها تأتي في مسارين متداخلين: ضغط خارجي مباشر كما في الاعتداءات الإيرانية المتكررة على البحرين ودول الخليج، ومسار داخلي يعمل على تفكيك المجتمع من الداخل عبر أدوات فكرية وتنظيمية تستهدف الوعي والانتماء.

الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في الفعل العسكري وحده، بل في محاولة خلق بيئة داخلية قابلة للاختراق، تُستخدم فيها الرموز الدينية خارج سياقها الطبيعي، وتُستغل فيها دور العبادة لتشكيل ولاءات سياسية تتجاوز الدولة الوطنية، وتعيد ربط فئات من المجتمع بمشاريع إقليمية عابرة للحدود.

وفي هذا الإطار، تكشف المعطيات التي أعلنتها النيابة العامة في البحرين، في قضية منظورة أمام القضاء، عن نمط خطير لا يمكن التعامل معه كخلاف فكري أو نشاط عادي. فبحسب ما ورد، فإن القضية تتعلق بتأسيس جماعة تعمل على تعطيل القوانين، والإضرار بالوحدة الوطنية، والسعي لتغيير النظام الدستوري بوسائل غير مشروعة، عبر توظيف الدين سياسياً، ونشر فكر يقوم على مرجعية خارج الدولة، والعمل على استغلال دور العبادة كمنصات للتعبئة والتحريض.

هذه ليست تفاصيل جنائية معزولة، بل مؤشرات على مشروع يقوم على فكرة واضحة: إعادة تشكيل الانتماء داخل المجتمع، ليس على أساس المواطنة، بل على أساس الولاء لمرجعية سياسية خارجية. وهنا تحديداً تتقاطع الفكرة مع مفهوم ولاية الفقيه باعتباره نموذجاً للمرجعية فوق الوطنية، الذي يصطدم مباشرة مع فكرة الدولة الحديثة وسيادتها.

إن أخطر ما في هذا النوع من المشاريع أنه لا يعمل بشكل صريح ومباشر، بل يتسلل عبر التدرج: من خطاب ديني مُسيّس، إلى تعبئة فكرية، إلى شبكات تنظيمية، ثم إلى محاولة التأثير على الاستقرار الداخلي. ولهذا فإن التعامل معه لا يمكن أن يبقى في إطار رد الفعل، بل في إطار المواجهة الوقائية التي تستهدف جذور الفكرة قبل نتائجها.

وفي ظل ما تواجهه دول الخليج من اعتداءات مباشرة وتهديدات متكررة، يصبح واضحاً أن الأمن لم يعد خط دفاع واحداً، بل منظومة متكاملة تتعرض للاستهداف من الخارج والداخل في الوقت نفسه. وأي اختراق داخلي، مهما بدا محدوداً، يوازي في خطورته التهديد الخارجي لأنه يمس بنية الدولة من الداخل.

حجر الزاوية

الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن حماية الدولة لا تتحقق بالقانون وحده، ولا بالقوة الأمنية وحدها، بل بقدرة المجتمع على رفض أي مشروع يعيد تشكيل انتمائه خارج إطار الدولة الوطنية.

فالمعركة اليوم ليست بين أجهزة ودول فقط، بل بين نموذجين: نموذج الدولة الوطنية القائمة على المواطنة وسيادة القانون، ونموذج المشاريع العابرة للحدود التي تقوم على الولاء لمرجعيات فوق وطنية.

إن حجر الزاوية في هذه المواجهة واضح لا يحتمل التأويل:

لا يمكن أن تقوم دولة مستقرة مع وجود ولاءات موازية، ولا يمكن أن يُحمى مجتمع تُستغل فيه الرموز الدينية خارج وظيفتها الطبيعية، ولا يمكن مواجهة التهديد الخارجي دون تحصين الداخل.

وفي النهاية، فإن قوة الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على صد الاعتداءات، بل بقدرتها على منع تشكل الخطر قبل أن يتحول إلى واقع.