المبادرة إلى أوجه الخير والمسارعة إليها من صفات الأنبياء والأتقياء. قال تعالى: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ" الأنبياء: 90، أي: يبادرون إليها، ويؤدونها على الوجه اللائق الذي ينبغي. وقال سبحانه عن نبيه موسى عليه السلام: "وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى" طه: 84، أي: إن الذي عجّل بي هو طلب رضاك، والشوق إلى قُربك، كما ذكر الإمام السعدي رحمه الله.

ويغرسُ الإسلام في نفس المسلم روح المبادرة، ويعوِّده على العمل الدائم، فلا يعرف الفراغ، ولا يستسلم للتسويف، بل ينتقل من عملٍ صالحٍ إلى آخر، ومن ميدانِ خيرٍ إلى ميدانِ خير. فإذا فرغ من طاعةٍ أقبل على غيرها، وإذا أتمَّ عملًا صالحًا شرع في عملٍ آخر، امتثالًا لقوله تعالى: "فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ" الشرح: 7-8.

أتذكر هذه النصوص المباركة وأنا ألاحظ كثيراً من الشباب الذين يمتلكون مقومات الإبداع والنجاح؛ حيثُ أُتيحت لهم فرص التعليم الجيد، والتدريب المناسب، والدعم المؤسسي، وتيسّرت أمامهم وسائل الإنجاز، ومع ذلك يتأخر بعضهم عن تحقيق أحلامه بسبب وهم الكمال، فيردّدُ: إما أن أبدأ بداية مثالية، وإما ألا أبدأ أصلًا. وهذا التفكير ليس دليلًا على الإتقان، ولا هو في كثير من الأحيان نابعٌ من الحرص على الجودة أو طلب الكمال، بقدر ما هو ثمرة الخوف مِنَ البداية، والرهبة مِنَ التجربة، والتردد في اتخاذ القرار.

إنَّ التأجيل المستمر، يا أحبتي، يقتل لذّة الإنجاز، ويسرق الأحلام، ويُضعف قيمة المشروع، وربّما أفقده جدواه مع مرور الزمن؛ لأنّ العالم يتغير بوتيرة متسارعة، فما كان مناسباً بالأمس قد لا يكون مناسباً اليوم. ولذلك فإن تأجيل المشروع هو موتٌ بطيءٌ ومؤشر على قرب انتهاء صلاحيته.

وفي المقابل، فإن الاستعانة بالله تعالى، والتحلي بروح المبادرة، وحبَّ المغامرة المحسوبة، والمداومة على العمل، هي خير سبيلٍ للانطلاقة وتحقيق الأهداف. فقطرةُ الماء المستمرة تحفر الصخرة، لا بقوتها، ولكن بدوامها.

يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

وما استعصى على قومٍ منالٌ * إذا الإقدامُ كان لهم ركابا

إن التسويف والأماني الكاذبة من أكبر أعداء الإبداع والنجاح، فكم مِنْ فكرة بقيت حبيسة دفاتر الملاحظات، وكانت قادرة على إحداث أثرٍ كبير لو تحوّلت إلى واقع ملموس. كما أن الأفكار تشبه الثمار؛ تؤتي أفضل نتائجها حين تُقطف في وقتها المناسب، أمّا إذا تُركت حتى يفوت أوانها فقد تفقد قيمتها، أو تغدو غير صالحة للاستخدام.

اعزمْ وكدَّ، فإن مضيتَ فلا تقفْ * واصبرْ وثابرْ، فالنجاحُ محققُ

إن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، والعصفور يبني عُشّهُ قَشةً قشةً، وما بلغت الأمم المتقدمة ما بلغت إلا بجديّة أبنائها، وحُسن استثمارهم للوقت، ومبادرتهم إلى التنفيذ زمن الشباب، دون انتظار طويل؛ فالمشروعات الكبيرة لا تبدأ كاملة، وإنما تبدأ بخطوة صغيرة تتبعها خطوات حتى يكتمل البناء.

إن مجتمعاتنا اليوم أحوج ما تكون إلى استثمار الأفكار وتحويلها إلى مشروعات نافعة؛ فالأفكار تشبه الطيور المهاجرة، إن أحسنت اقتناصها في وقتها أثمرت خيراً، وإن تركتها مضت، وتركت وراءها الحسرة والندامة.

شمعة أخيرة:

الحزمُ قبل العزمِ فاحزمْ واعزمِ * وإذا استبانَ لك الصوابُ فصمِّمْ