استوقفتني سلسلة التغريدات المطوّلة التي نشرها أحد الساسة العرب على منصة «إكس»، لا بسبب ما حملته من خيبة أمل حيال استمرار إيران في استهداف دول الخليج بعد كل ضربة أمريكية أو إسرائيلية، بل بسبب صاحبها نفسه. فالرجل الذي بدا اليوم متحسّراً على هذا المآل، كان بالأمس من أبرز منظّري «احتواء إيران»، ومن أكثر المؤمنين بأن التهدئة المتواصلة، وتوسيع قنوات الحوار، وتخفيف حدّة الموقف السياسي، كفيلة بترويض السلوك الإيراني، أو على الأقل الحد من اندفاعه.

المفارقة هنا لا تخلو من سخرية ثقيلة. فمن قدّم المهادنة لسنوات في هيئة حكمة استراتيجية، يعود اليوم ليرثي نتائجها وكأن ما حدث كان سوء حظ دبلوماسي لا حصيلة منطق سياسي معطوب. والحقيقة أن الخلل لم يكن في مبدأ الاحتواء بحد ذاته، بل في تحويله، عملياً، إلى مرادف مهذّب للتنازل المفتوح. فالاحتواء، في معناه الاستراتيجي، لا يقوم على امتصاص التصعيد إلى ما لا نهاية، بل على إدارة التهديد عبر مزيج واضح من الانفتاح والردع. أما حين يُفرَّغ من عنصر القوة، فلا يعود احتواءً، بل يصبح تدجيناً بطيئاً على التكيّف مع الهيمنة.

وهذا بالضبط ما حدث. إذ لم تُقرأ الليونة الممتدة في طهران بوصفها فضيلة سياسية، بل باعتبارها إشارة متكررة إلى حدود الإرادة السياسية لدى خصومها. ومن هنا لم تعد المشكلة في السلوك الإيراني وحده، بل في إصرار بعضنا على التعامل معه كما لو أن المجاملة يمكن أن تنتج اعتدالاً، أو أن غياب الكلفة قد يدفع الخصم إلى مراجعة نفسه من باب الامتنان.

وباختصار، لم تفشل الدبلوماسية، بل فشل استخدامها حين جرى فصلها عن شرطها الأساسي، أي الردع. وما نراه اليوم ليس سوى النتيجة الطبيعية لسنوات من تسويق المهادنة على أنها واقعية، ثم الاكتشاف متأخر جداً أنها لم تكن سوى الطريق الأقصر إلى تطبيع الهيمنة.