نماذج عديدة من الدول، منها من يهتم بالعمران والإنجاز وبناء الإنسان، ومنها من يغفل عن التنمية والتطوير ويركز على التدخل في شؤون الآخرين، ويعمل على إخفاء إخفاقاته الداخلية وعلى زراعة الجواسيس في الخارج وخاصة دول الجوار القريبة منه، وبين النموذج الأول والثاني هذين النهجين، تبرز البحرين، التي اختارت الحداثة والتطور والرقي والبناء في مواجهة التدخلات الإيرانية التي كانت على شكل زراعة الخلايا وتأجيج الطائفية وسرد روايات كاذبة في الماضي، والعدوان بالصواريخ والمسيّرات في الحاضر.
إن استهداف الوطن يأتي في سياق نهج إرهابي انتهجته إيران عبر نظامها الإرهابي الذي تقوم عليه وقاده الخميني عقائدياً، بينما خطط ذراعها الإرهابي المحظور الملقب بالحرس الثوري ميدانياً، ولم يكن ذلك الحراك اتجاه البحرين فقط، بل كانت المهمة موزّعة على العديد من الدول العربية وفي مقدمتها دول مجلس التعاون، الغرض منه توسيع النفوذ يرافقه خطاب سياسي وإعلامي وصولاً إلى تدريب عناصر إرهابية.
رغم كل ذلك لم تجعل البحرين تلك الخطط الخبيثة من نظام متخبط من أن تعطّل وتجمّد التنمية والخطط الوطنية، بل على العكس، تعزّزت مؤسسات الدولة وترسّخ مبدأ سيادة القانون، واستمرت مشاريع التنمية، وتواصل تطوير المدن، وتطورت آليات الاستثمار في المواطن، وكانت رسالة الوطن واضحة.
كل محاولات النظام الإيراني الإرهابي سنقابلها بالبناء، وكل محاولة لشق الصف ستواجه بإرادة وطنية وتلاحم شعبي والتفاف حول القيادة أكثر صلابة؛ فالوطن لم ينشغل بالردود على مهاترات أذرع إيران الإعلامية وشعاراتها، بل انشغل ببناء المستقبل، وتطوير البنية التحتية، وصون الهوية الوطنية، وتعزيز جودة الحياة لمواطنيها.
47 عاماً من الأزمات السياسية خلّفها النظام الإرهابي الإيراني في داخله، مع كساد وفساد وأزمات وتضخم، بينما أعطت البحرين ظهرها للفتنة الإيرانية وعزّزت رؤيتها بمشروع قائم على التنمية والاستقرار، فالقيادة الحقيقية لا تقاس بالشعارات بل بالنتائج، فهناك من يستهلك مقدرات وطنه في صراعات وخلق عداوات، وهناك من يوظفها في التنمية والازدهار.
الملحمة البحرينية لم تقتصر على جوانب الأمن والتنمية، بل امتدت إلى الدبلوماسية التي أدارت ملف العدوان الإيراني بعقلانية وثبات، فمن الحرص على توثيق ما تعرّض له الوطن من تدخلات واعتداءات، إلى الطرح أمام المحافل الإقليمية والدولية بالأدلة والمواقف الرسمية، فالبحرين تحترم القانون الدولي وتؤمن بسيادة الدول، وتراعي مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ويدعم تلك الملحمة الوطنية قواتنا المسلحة الباسلة، حيث أثبتت قوة دفاع البحرين، والحرس الوطني، ووزارة الداخلية، والأجهزة الأمنية، كفاءةً عالية في صون حدود الوطن وحماية مكتسباته والتصدي للتهديدات والاعتداءات، سواء عبر إحباط المخططات الإرهابية أو صد الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ليجسّد الوطن عبر مؤسساته نموذجاً للاحترافية والانضباط والجاهزية، مستندة إلى عقيدة راسخة قوامها الدفاع عن الوطن وحماية سيادته، والعمل بتكامل وثيق مع الأشقاء في دول مجلس التعاون والدول الصديقة، فالبحرين تمتلك مؤسسات قادرة على حماية منجزاتها، وصون أمن مواطنيها، والحفاظ على استقرارها في مواجهة أي تهديد.
إن التاريخ لا يخلّد من يثير الأزمات، بل يخلّد من يتجاوزها، والوطن بقيادته الحكيمة ووحدة شعبه، قدّم نموذجاً في كيفية كتابة التاريخ بالمشاريع لا بالأزمات، وبالإنجاز لا بالشعارات.
باختصار، إن صفحات التاريخ ستسجّل أن البحرين واجهت العدوان بثبات، وحمت سيادتها بحكمة، وواصلت البناء بإصرار، وأن الوطن قادر على إفشال كل مشروع يستهدف أمنه أو هويته أو مستقبله.