هناك دول تبني الطرق والجسور، وأخرى تبني الموانئ والمطارات، لكن الدول التي تقود المستقبل هي تلك التي تبني «الثقة الرقمية»، وهذه الثقة ليست شعاراً تقنياً ولا منتجاً إلكترونياً، بل هي منظومة متكاملة تجعل المواطن يثق بأن الخدمة ستصله في الوقت المناسب، وأن بياناته مصونة، وأن مؤسسات دولته قادرة على الإنجاز بالكفاءة نفسها التي تنافس بها كبريات الاقتصادات العالمية.

من هنا، فإن احتلال مملكة البحرين المركز السادس عالمياً في مؤشر تنمية تقنية المعلومات والاتصالات لعام 2026 إعلان عن اكتمال مرحلة استراتيجية بدأت قبل سنوات، حين أدركت الدولة أن التحول الرقمي ليس مشروع وزارة، وإنما مشروع وطن.

فالنتائج لا تأتي صدفة، وعندما تسجل البحرين 98% في المؤشر العام، وتحصد 99.1 نقطة في الاتصال الشامل، و97 نقطة في الاتصال الهادف، وتحقق العلامة الكاملة في مؤشرات استخدام الإنترنت، وربط الأسر بالشبكة، وتغطية النطاق العريض، وانتشار الهواتف المتنقلة، فإن هذه الأرقام لا تعكس جودة الشبكات فحسب، بل تعكس فلسفة تنموية آمنت بأن الاستثمار في الإنسان لا ينفصل عن الاستثمار في التكنولوجيا.

لقد اختارت البحرين منذ وقت مبكر أن تجعل البنية الرقمية جزءاً من بنيتها السيادية، وأن تتحول الخدمات الحكومية إلى خدمات ذكية، وأن تفتح قطاع الاتصالات أمام المنافسة المنظمة، وأن تستثمر في الكفاءات الوطنية، وأن تواكب الثورة الصناعية الرابعة دون تردد، لذلك لم يكن التقدم في المؤشرات الدولية نتيجة حملة إعلامية، بل ثمرة تراكم مؤسسي طويل، قوامه التخطيط، والاستمرارية، ووضوح الرؤية.

وفي عالم اليوم، أصبحت القوة الاقتصادية تُقاس بسرعة انتقال البيانات، وتشير تقديرات دولية إلى أن الاقتصاد الرقمي يسهم بأكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فيما يتوقع أن تتجاوز مساهمة التقنيات الرقمية ربع الاقتصاد العالمي خلال العقد المقبل، وهذا يعني أن كل نقطة تتقدم فيها دولة في مؤشرات الرقمنة ليست مجرد مكسب معنوي، بل زيادة في قدرتها على جذب الاستثمارات، واستقطاب الشركات العالمية، وخلق وظائف نوعية، وتحفيز الابتكار وريادة الأعمال.

غير أن القيمة الأهم لهذا الإنجاز تكمن في بعده الحقوقي والمؤسسي، فالتحول الرقمي لم يعد رفاهية تقنية، بل أصبح أحد وجوه العدالة الحديثة، فحق الإنسان اليوم لا يقتصر على التعليم أو الصحة أو السكن، وإنما يمتد إلى حقه في الوصول السريع والآمن إلى الخدمات الرقمية، وحماية خصوصيته، وضمان أمن بياناته، وعدم استبعاده من الفضاء الرقمي؛ بسبب العمر أو الدخل أو الموقع الجغرافي، ومن هنا، فإن الشمول الرقمي أصبح معياراً لقياس كفاءة الدول بقدر ما هو معيار لقياس تقدمها.

أما الجيل الجديد، فهو جيل لا ينتظر الطوابير ولا يعترف بالبيروقراطية التقليدية، إنه يقيس نجاح المؤسسات بسرعة الإنجاز، وسهولة الاستخدام، وجودة التجربة الرقمية، ولذلك فإن المحافظة على هذا الموقع العالمي لن تتحقق فقط بتوسيع الشبكات، وإنما بالانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا، عنوانها الذكاء الاصطناعي، والخدمات الاستباقية، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والاقتصاد القائم على المعرفة.

إن البحرين، وهي تتقدم إلى المركز السادس عالمياً، لا تحتفل برقم جديد، وإنما تؤكد أن الاستثمار في الإنسان، عندما يقترن بالرؤية السياسية، والإدارة المؤسسية، والابتكار، قادر على تحويل دولة صغيرة في مساحتها إلى نموذج عالمي في تأثيرها، وفي زمن أصبحت فيه الثقة الرقمية إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، تثبت المملكة أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، وأن الريادة ليست حجماً جغرافياً، بل حجم رؤية، وإرادة، وقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة وطنية مستدامة.

* إعلامية وباحثة أكاديمية