هناك ذكرياتٌ لا يطويها الزمن، لأنها لم تُكتب في دفاتر الأيام، بل كُتبت في القلب. وما إن تلوح مناسبةٌ جميلة، حتى تعود تلك الذكريات نابضةً بالحياة، كأنها وقعت بالأمس.
ما زلت أذكر، ونحن أطفالٌ في الرفاع الغربي، كيف كان نادي الرفاع الغربي في مقره القديم، في تلك الساحة الواقعة بين سوق الرفاع والنادي، يتحول إلى ساحة فرحٍ لا تشبه سواها كلما حقق منتخب البحرين فوزاً. كانت الفرق الشعبية تتوافد، فتصدح أهازيج الليوة وغيرها من الفنون البحرينية الأصيلة، وتمتزج أصوات الطبول بزغاريد الفرح، فيغدو الفريج كله عيداً.
كنا نركض بين الجموع، لا نعرف أسماء الخصوم، ولا تفاصيل المباريات، لكننا كنا نعرف أن البحرين انتصرت، وأن هذا الانتصار يكفي ليملأ الدنيا بهجة. كانت الفرحة تقفز من قلوبنا قبل أن تقفز أقدامنا، ونصفق بحماسٍ طفولي صادق، ونشعر أن الوطن كله يبتسم.
وفي صباح اليوم التالي، ونحن في المرحلة الابتدائية، ثم لاحقاً في المرحلة الإعدادية، لم يكن حديث الطابور الصباحي يدور إلا حول المنتخب، وحول الأبطال الذين أهدونا ذلك الفرح. كنا نتبادل أسماءهم بإعجاب، ونستعيد أهدافهم وتصدياتهم، ونشعر بفخرٍ كبير لأن هؤلاء الرجال يرتدون شعار البحرين. لم يكونوا بالنسبة إلينا مجرد لاعبين، بل كانوا أبطال طفولتنا، وصناع أول مشاعر الانتماء التي عرفتها قلوبنا.
لهذا، حين شاهدت مبادرة شركة عقارات السيف بتنظيم فعالية «لقاء أساطير الكرة البحرينية»، شعرت أن الزمن عاد بي سنوات طويلة إلى الوراء. لم أرَ مجرد احتفاءٍ برياضيين، بل رأيت وفاءً نادراً يعانق ذاكرة وطن، ويقول لأولئك الرجال: لقد بقيتم في القلوب كما كنتم في الملاعب.
كم كان جميلاً أن نرى الحارس الأسطوري حمود سلطان، الذي كان حصناً منيعاً للمنتخب، وإلى جانبه نجوم كبار مثل فؤاد بوشقر، وخليل شويعر، وسلمان شريدة، ومحمد الزياني، وحسن زليخ، وغيرهم من أبناء الجيل الذهبي الذين أسسوا للرياضة البحرينية، ووضعوا اللبنات الأولى لمسيرةٍ نفخر بها اليوم.
لقد لعبوا في زمنٍ كانت فيه الإمكانات محدودة، لكن الأحلام كانت واسعة بحجم الوطن. لم يبحثوا عن الشهرة ولا عن العقود الكبيرة، بل كانوا يلعبون؛ لأن البحرين تستحق أن تُرفع رايتها، وأن يسمع العالم اسمها. فكانوا يزرعون الفرح في قلوب الناس، ويمنحون الأطفال أمثالنا أسباباً إضافية لنعشق هذا الوطن، ونفخر بكل انتصارٍ يحققه.
واليوم، وبعد كل هذه السنوات، جاء الدور ليرد الوطن بعضاً من جميلهم. فالتكريم ليس هديةً تُمنح لهم، بل هو دينٌ من الوفاء تؤديه البحرين لمن صنعوا جزءاً من تاريخها الرياضي. وما أجمل أن يرى الإنسان التقدير في حياته، وأن يسمع كلمات الامتنان وهو بين أهله ومحبيه، بعد أن أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه.
ولم تكن هذه المبادرة مجرد احتفاء بالماضي، بل كانت رسالةً إلى الأجيال الجديدة تقول إن الإنجازات التي نراها اليوم لم تولد من فراغ، وإنما قامت على أكتاف رجالٍ تعبوا، وضحوا، وآمنوا بأن البحرين تستحق الأفضل.
كل الشكر والتقدير لشركة عقارات السيف على هذه المبادرة الراقية، التي أعادت إلينا وجوهاً أحببناها، وأيقظت فينا ذكرياتٍ لا تزال تنبض بالحياة، وأثبتت أن الوفاء لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالمواقف التي تحفظ الجميل لأصحابه.
وفي الختام، أتمنى أن تكون هذه المبادرة بدايةً لمشروعٍ وطني جميل يحتفي بكل من أسهم في بناء هذا الوطن. فكما نكرّم رواد الرياضة، نتطلع إلى تكريم رواد الفن، والمسرح، والثقافة، والأدب، والتربية والتعليم، والعلوم، ورجال الأمن، وكل من بذل عمره في خدمة البحرين، ولا سيما جيل السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، الذين أسسوا لكثيرٍ من الإنجازات التي نجني ثمارها اليوم.
أين هم اليوم؟ إنهم بيننا، يحملون تاريخاً يستحق أن يُروى، وتجارب تستحق أن تُروى للأجيال، وأسماءً تستحق أن تُذكر بكل اعتزاز. ونحن في انتظار أن تمتد إليهم يد الوفاء، لأن الأمم العظيمة لا تحفظ تاريخها في الكتب وحدها، بل تحفظه في قلوب رجالها ونسائها، وتقول لهم وهم أحياء: شكراً.. فقد صنعتم للبحرين مجداً، وما زال الوطن يذكر الجميل لأهله.